وجمعوا لي المدرسين والمدرسات في قاعة المحاضرات، المدرسات جلسن في آخر القاعة وكن مسلمات مؤدبات محجبات، وألقيت فيهم كُلَيْمَةً بينت لهم فيها أهمية الرسالة التي يؤدونها، وهي احتضان ناشئة المسلمين في هذا البلد وتعليمهم دينهم وتربيتهم على آدابه وشريعته، وعندما فَتَحْت المجال للأسئلة، فُوجِئْتُ بمُدَرِّسَةٍ تسأل عن السبيل لإقامة حكومة إسلامية في"سنغافورة"، ولما سألت مرافقي الداعية السنغافوري المُحَنَّك عن سبب هذا السؤال أجابني بأنه تدور الآن مثل هذه الأفكار بين شباب المسلمين في"سنغافورة"منذ وصل إليها مبعوثان: واحد من"أفغانستان"حدثهم بأحاديث الجهاد وحرضهم عليه، والآخر من"إيران"حدثهم عن الثورة"الخمينية"والحكومة الإسلامية، فوجّهْتُ لهم نصيحة بألاّ يشغلوا أذهانهم لا بالجهاد ولا بالحكومة الإسلامية، وبألا يغتروا بمن جاءهم من"أفغانستان"يحدثهم عن الجهاد فإنه جاهل أخطأ في القياس، ولا بالإيراني الذي جاء يحدثهم عن الثورة الإسلامية فإنه عدو رافضي، وبينت لهم أن الواجب عليهم وقد هيأ الله لهم حكومة عادلة - وإن كانت كافرة - أن يشتغلوا بتعليم المسلمين شرائع الإسلام وآدابه، خاصة الناشئة منهم، وأما واجبهم نحو غير المسلمين من"السنغافوريين"فهو الدعوة بالحسنى إلى الإسلام، وأما الجهاد والخلافة أو الحكومة الإسلامية فليسا مطلوبين منهم، وهم أقلية وسط مجتمع بوذي كافر، فلو فكروا في مثل هذه الأمور وسعوا إليها ربما يُقْضَى عليهم بسببها مع عدم القدرة على تحقيقها.
المثال الثالث: زارني قبل بضع سنين في منزلي بالمدينة النبوية عدد من طلاب الجامعة بالمدينة النبوية، وهم من جنوب أفريقيا، وطرحوا مسائل وإشكالات اختلفوا فيها، وطلبوا مني بيان الحكم الشرعي فيها ونصيحتي بشأنها، من أهمها:
أن رئيس جنوب أفريقيا إذ ذاك"نلسون مانديلا"جَمَعَ زعماء المسلمين في بلده وطلب منهم تشكيلَ"حزبٍ"يمثِّل المسلمين في"البرلمان"حتى يطالب هذا الحزب بسنِّ القوانين الإسلامية الخاصة بالمسلمين في المسائل التي لا يمكنهم تطبيق قوانين الدولة فيها، مثل أحكام الأسرة: الزواج والطلاق ونحو ذلك، واختلف زعماء المسلمين في اقتراح هذا الرئيس النصراني العاقل العادل وكان عدد منهم يرفض ذلك بحجة أنه لا يجوز الخضوع لحكم الكافر، ولا دخول برلمانه، ولا الاشتراك في انتخاباته، وفريق آخر أحسن عقلًا وجدوا أن في تنفيذ اقتراح الرئيس"مانديلا"مصلحة للمسلمين ؛ وأيَّدْتُ أنا هذا الرأي وقلت لهم: المصلحة في ذلك واضحة وراجحة، ولا يمكنكم أصلًا أن تقولوا: لا نخضع لحكم الكافر لأنكم فعلًا تحت حكمه، وما دام هذا الحاكم الكافر عادلًا ويُمَكِّنكم من ممارسة شعائركم الدينية، بل وتطبيق بعض أحكام الشريعة الإسلامية فلا ضرر ولا ضير من قبول حكمه والانضواء تحت سلطانه، وأنتم في هذا مثل الصحابة تحت حكم النجاشي النصراني العادل - قبل أن يسلم -.
إن فقه المصالح والمفاسد، والقدرة على الموازنة بينهما في غايةٍ من الأهمية في حياة المسلمين اليوم.
المثال الرابع: وهنا نصل إلى مَحَطِّ الرَّحْلِ فنقول: المسلمون اليوم لا يخفى حالهم من الضعف والتفرق، ومن تفشّي الآفات بينهم: الجهل، والفقر، والكفر، والقهر، والظلم والجور، فقد جثمت على صدورهم قيادات سياسية هم من جلدتهم ويتكلمون بألسنتهم، لكنهم لا يُمثِّلونهم، بل هم وكلاءُ للاستعمار الغربي الذي رحل بجيوشه، وبقي بوكلائه، فالعالم الإسلامي لا زال مُستَعْمَرًا لكن بالوكالة، وقد ألحق هؤلاء الوكلاء العملاء الذين نصّبَهُم الاستعمارُ حكامًا أضرارًا فادحة بشعوبهم الإسلامية، فهي مثخنةٌ بجراحاتٍ بالغة أضعفت كيان الأمة وكادت تمسّ روحَهَا بضررٍ شديد، وهناك حركةٌ إصلاحية شاملة تحاول تضميدَ جراح الأمة، وترميم ما فسد من بنائها، وتقويةَ روحها المضعضعة، تتمثَّل هذه الحركة الإصلاحية في حركات الدعوة الإسلامية الواعية الشاملة التي يحمل لواءها العلماء، وقد أثّرت هذه الدعوة الإصلاحية في حالة الأمة فبدت بوادر عافيتها في هذه الصحوة العامّة التي امتدّت من مشرق العالم الإسلامي إلى مغربه، وبدا أن محاولات الترميم والإصلاح ظهرت آثارها في كيان الأمة المريض ؛ ولولا مناوأة أولئك الحكام الوكلاء العملاء لأنجَزَتْ حركةُ الإصلاح أهدافها، فالصحوة الإسلامية الآن لا ينقصها إلا قيادة على مستوى الأمة، تُزيحُ أولئك الوكلاء العملاء وتتسلّم القيادة بدلًا منهم..
فهل والأمة في هذه المرحلة لم تبرأ بعد من كل عللها ولا زالت في مرحلة النقاهة وهي بلا قيادة، هل من الحكمة أن نقذف بها في أَتُونِ معركةٍ لا قِبَل لها به ؟! هل من الحكمة إنشاب القتال مع العدو الآن ؟ فما بالك وقد فُتِحَتْ سائرُ الجبهات، أي تمَّ إنشابُ القتال مع سائر الأعداء في وقت واحد..