فهرس الكتاب

الصفحة 19523 من 27345

ثانيا: هناك ما يمكن أن نعتبره آلية داخل المنهج الإسلامي ذاته هي التي تنتج ما نسميه نحن كمتخصصين في العلوم الاجتماعية بـ"الظاهرة الإسلامية"، وهذه الآلية قابلة دائما للتكرار كلما تحققت شروطها، فعلي المستوي الفردي هناك جدل بين فطرة الإنسان التي فطر الناس عليها وبين الدين، بحيث يجد الفرد المسلم نفسه دائمًا يستجيب لنداء الفطرة في جدلها الدائم وحتى الصامت واللاوعي مع المنهج الإسلامي ، وبالطبع هناك جانب اختيار من الله سبحانه للإنسان بحيث يوجهه ويهديه دائمًا، وعلى المستوي المجتمعي والسياسي هناك جدل بين المنهج الإسلامي وبين المجتمع والسلطة، بحيث يسعى المسلم إلى محاولة العودة بالمجتمع والأمة والسلطة إلى المنهج القرآني أو منهج الله الذي أراده لعباده.

ثالثا: في الخبرة الإسلامية دائما كانت حركات الإحياء والإصلاح والتجديد تعبيرًا عن مجتمعها وليست مفارقة له. خذ عندك مثلًا حركات التجديد الفقهي ممثلة في الأئمة الأربعة؛ فسوف تجد أنها تعبر عن الأئمة في حفظها للدين وتوسيع طرائق فهمه وبيان الجانب المقاصدي فيه كان المجددون تعبيرًا عن المجتمع ولم يكونوا مفارقين له ،كل حركات التجديد والإصلاح في الخبرة الإسلامية كانت تعبر عن التيار الرئيس للجماعة المسلمة، وهو ما عرف باسم"أهل السنة والجماعة"، فلم تكن حركات الإحياء والتجديد فرقة أو طائفة؛ وإنما كانت هي الأمة وحاميتها وحاضنة تطورها ونموها.

رابعًا: لم تكن حركات الإصلاح والإحياء منفصلة عن واقع مجتمعاتها وأمتها؛ وإنما كانت تضعه في حسبانها، والأحكام والاجتهادات الفقهية المتصلة بمعالجة التغيير في المجتمعات الإسلامية جزء من الحكم أو الاجتهاد الفقهي هو قراءة الواقع، بحيث يكون تنزيل الحكم الفقهي في موضعه الصحيح من الواقع هو الاجتهاد الصواب، لذا من المهم أن ترتبط حركات الإحياء بعلماء الأمة وثقاتها من المجتهدين والمجددين .

خامسًا: الاندفاعات غير المحسوبة في مواجهة السلطات الحاكمة؛ في بلدان هذه الحركات ذات الأغلبية المسلمة يؤدي إلى نتائج خطيرة وكارثية على الحركات الإسلامية الإحيائية، ولذا فإن الاندفاع غير العاقل يؤدي إلي نتائج خطيرة تتعدي آثارها إلي الأمة كلها، كما أن إغراء استخدام القوة وتصور أن يختصر المسافات لتحقيق الحلم الإسلامي بقيام السلطة الإسلامية هو نوع من الخداع لأصحابه، لذا فتركيز الظاهرة الإسلامية علي العمل المجتمعي والأهلي والابتعاد عن استعجال الموجهة مع سلطات بلدانه هو المنهج الصواب الذي يجعل من الظاهرة الإسلامية عنصر إثراء وإضافة لأمتها وليست خصما منه.

وأخيرًا؛ فإن القيمة أو الفكرة الإسلامية هي أهم بكثير من التنظيمات والحركات والأطر التنظيمية، بحيث لا يجوز التضحية بأية حال بالفكرة أو القيمة الإسلامية لحساب التنظيم ولوائحه وحساباته ومنازعاته، كما لا يجب أن يتحول العمل التنظيمي إلى مغنم لأهله حتى لو كان علي حساب المسلمين من خارج التنظيم ، إن القيمة الإسلامية أبقى وأهم من التنظيم والولاء للأمة كلها مقدم علي الولاء لأهل الثقة المنتمين. إن عظمة الإسلام في قيمه وسقوط المؤسسات الإسلامية لم تؤثر في الفكرة الإسلامية وظل الإسلام دائما وأبدًا دينًا يدخله كل يوم مسلمون جدد، وقيمة أية حركة بالحفاظ على مبادئها وقيمها ودهس المبادئ والقيم لصالح ضرورات الواقع واستمرار التنظيم هو كارثة كبيرة.

الظاهرة الإسلامية كما أنها بحاجة إلى منهج صحيح لفهمها من الباحثين الغربيين؛ فهي تفتقر إلى فقه للواقع والتاريخ والفقه والخبرة من أهلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت