فهرس الكتاب

الصفحة 19527 من 27345

"... فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ...". فمعنى الآية واضح جليُّ محكم تدل عليه اللغة العربية وترابط الضمائر:"فلولا نفر من كل فرقة ... ليتفقهوا ...". فالذين يتفقهون هم الذين ينفرون إلى الجهاد ، حيث يرون آيات الله في الواقع ، ويرون سنته وفضله ونعمته على المؤمنين الصادقين المتقين المجاهدين بالنصر ، وحين يرون العبرة بعد العبرة والعظة بعد العظة ، في ميدان القتال . حتى إذا رجع هؤلاء المجاهدون إلى قومهم حدثوهم بخطر الأعداء على دين الله ، على الإسلام ، على المسلمين ، ليأخذوا حذرهم فورًا ويظلُّوا على استعداد دائم لينفروا ، وليُعدُّوا كل عدة لازمة للميدان .

إن هذا المعنى للآية الكريمة متناسق كل التناسق مع الآيات قبلها وبعدها ، ومتناسق مع نهج سورة التوبة وموضوعها وخطها ، ومتناسق مع أسس الإيمان والتوحيد ، وقواعد منهاج الله ، وتؤكده لنا قواعد اللغة العربية .

وكذلك ، فإننا بهذا التصور نكون مطالبين بممارسة هذه الآية الكريمة في واقعنا ، في كل واقع ، وبخاصة في واقعنا اليوم .

هذا هو حكم الإسلام وفقهه الجلي المشرق ، الفقه الذي يجب أن يظل مشرقًا في حياة الأمة ، ليعرف كل مسلم مسؤولياته الفردية التي سيحاسبه الله عليها يوم القيامة .

ونخرج من هذه الآية الكريمة ومن السور كلها ، بقاعدة رئيسة يؤكدها منهاج الله في سورة بعد سورة ، وحديث بعد حديث . هذه القاعدة هي أن المؤمنين أمة واحدة ، لهم رابطة واحدة ، تنشأ الحقوق والواجبات من هذه القاعدة العظيمة ، القاعدة الربانية المؤكدة في سور عدة بإلحاح وتكرار حتى لا يتفلت منها المؤمنون ، فينهاروا ويذلوا ، ويصبحوا غثاءً كغثاء السيل .

في واقعنا اليوم ، واقع المسلمين ، جميع المسلمين ، علينا أن نردَّ واقعنا إلى منهاج الله ، كما يأمرنا الله سبحانه وتعالى ، وأن نبحث عن أخطائنا وزللنا على أساس من ميزان واضح دقيق هو منهاج الله ، فنعالج أخطاءنا وعيوبنا على نفس الأساس والميزان ، عسى أن يتقبل الله توبتنا وأوبتنا ، ويمدنا بنصر من عنده .

هذا هو السبيل الوحيد ، ولا أرى سبيلًا سواه ، سوى المضي من هزيمة إلى هزيمة وهوان إلى هوان إذا خرجنا عنه وانحرفنا عن الصراط المستقيم . ونرى من خلال هذه الآيات وآيات أخرى مترابطة في كتاب الله أن الجهاد في سبيل الله نهج ممتد متكامل ، يجب تطبيقه بتكامله . ففيه البناء والتماسك وإعداد القوة التي ترهب عدو الله . وهو نهج له أهدافه ورسالته العظيمة في الحياة الدنيا ، حين يحمل رسالة الله ليبلغها للناس كافة على مدى العصور ، فحينئذ يكون الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير ابن عطية: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: لأبي محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي .

(2) الترمذي: 41/8/2616 .

(3) يراجع كتاب"الفقه امتداده وشموله بين المنهاج الرباني والواقع"، للمؤلف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت