فهرس الكتاب

الصفحة 19863 من 27345

ومن الفتنة أن يتعرض المؤمن للأذى من الباطل وأهله، ثم لا يجد النصير الذي يسانده ويدفع عنه... هناك فتنة الأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه، وهو لا يملك عنهم دفعًا، وقد يهتفون به ليسالم أو ليستسلم، وينادونه باسم الحب والقرابة، واتقاء الله في الرحم... وهناك فتنة إقبال الدنيا على المبطلين، ورؤية الناس لهم ناجحين مرموقين، تهتف لهم الدنيا وتصفق لهم الجماهير.. وهو مهمل منكر، لا يحس به أحد... ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون من أمثاله الذين لا يملكون من أمر الحياة شيئًا... وهنالك فتنة الغربة في البيئة والاستيحاش بالعقيدة... وهناك فتنة من نوع آخر قد نراها بارزة في هذه الأيام، فتنة أن يجد المؤمن أممًا ودولًا غارقة في الرذيلة، وهي مع ذلك راقية في مجتمعها... ويجدها غنية قوية، وهي مشاقة لله!... وهنالك الفتنة الكبرى:.. فتنة النفس والشهوة وجاذبية الأرض، وثقلة اللحم والدم... وصعوبة الاستقامة على طريق الإيمان، والاستواء على مرتقاه، مع المعوقات والمثبطات في أعماق النفس...

فإذا طال الأمد، وبَعُدَ نصر الله، كانت الفتنة أشد وأقسى، ولم يثبت إلا من عصم الله، وهؤلاء هم الذين يحققون في أنفسهم حقيقة الإيمان، ويؤتمنون على تلك الأمانة الكبرى، أمانة السماء في الأرض .

والنفس تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث... وكذلك تفعل الشدائد بالجماعات، فلا يبقى صامدًا إلا أصلبها عودًا، وأقواها طبيعة، وأشدها اتصالًا بالله، وثقة فيما عنده من الحسنيين: النصر أو الأجر، وهؤلاء هم الذين يسلَّمون الراية في النهاية، مؤتمنين عليها بعد الاستعداد والاختبار.

وإنهم ليتسلمون الأمانة وهي عزيزة على نفوسهم بما أدوا لها من غالي الثمن...

فأما انتصار الإيمان والحق، في النهاية، فقد تكفل به وعد الله، وما يشك مؤمن في وعد الله، فإن أبطأ فلحكمة مقدرة، فيها الخير للإيمان وأهله، وليس أحد أغير على الإيمان وأهله من الله، وحسب المؤمنين الذين تصيبهم الفتنة ويقع عليهم البلاء، أن يكونوا هم المختارين من الله، ليكونوا أمناء على حق الله، وأن يشهد الله لهم بأن في دينهم صلابة فهو يختارهم للابتلاء... جاء في الصحيح: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء» .

وأما الذين يفتنون المؤمنين، ويعملون السيئات، فما هم بمفلتين من عذاب الله ولا ناجين مهما انتفخ باطلهم وانتفش...»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت