14ـ ومن فوائد المرض: أنه يكون سببًا لصحة كثير من الأمراض، فلولا تلك الآلام لما حصلت هذه العافية، وهذا شأن أكبر الأمراض، ألا وهو الحمى وهي المعروفة الآن بالملاريا، ففيها منافع للأبدان لا يعلمها إلا الله، حيث أنها تذيب الفضلات وتتسبب في إنضاج بعض المواد الفاسدة وإخراجها من البدن، ولا يمكن أن يصل إليه دواء غيرها، يقول بعض الفضلاء من الأطباء: إن كثيرًا من الأمراض التي نستبشر فيها الحمى، كما يستبشر المريض بالعافية، فتكون الحمى فيه أنفع من شرب الدواء الكثير، فمن الأمراض التي تتسبب الحمى في علاجها مرض الرمد والفالج واللقوة ـ وهو داء يكون في الوجه يعوج منه الشدق ـ وزيادة على الصحة فهي من أفضل الأمراض في تكفير الذنوب، ففي مسلم عن جبران { أن رسول الله دخل على أم السائب، فقال:"مالك؟"فقالت: الحمى، لا بارك فيها، فقال:"لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد"} ، وعند أحمد بسند صحيح: { حمى يوم كفارة سنة } [عن ابن عمرو] وفي الأدب للبخاري عن أبي هريرة: { ما من مرض يصيبني أحب إلى من الحمى } لأنها تدخل في كل الأعضاء والمفاصل وعددها 360 مفصلًا، وقيل إنها تؤثر في البدن تأثيرًا لا يزول بالكلية إلا بعد سنة.
15ـ ومن فوائد الأمراض: تخويف العبد ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون [المؤمنون:76] ، وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون [الزخرف:48] ، فما ابتلاه الله إلا ليخوفه لعله أن يرجع إلى ربه، أخرج الإمام أبو داود عن عامر مرفوعًا: { إن المؤمن إذا أصابه سقم ثم أعفاه منه كان كفارة لما مضى من ذنوبه وموعظة له فيما يستقبل، وإن المنافق إذا مرض ثم أعفي كان كالبعير عقله أهله ثم أرسلوه فلم يدر لم عقلوه ولم أرسلوه } .
16ـ ومن فوائد المرض: أن الله يستخرج به الشكر، فإن العبد إذا ابتلي بعد الصحة بالمرض وبعد القرب بالبعد اشتاقت نفسه إلى العافية، وبالتالي تتعرض إلى نفحات الله بالدعاء فإنه لا يرد القدر إلا الدعاء بل ينبغي له أن يتوسل إلى الله ولا يتجلد تجلد الجاهل فيقول: يكفي من سؤالي علمه بحالي !! فإن الله أمر العبد أن يسأله تكرمًا وهو يغضب إذا لم تسأله، فإذا منح الله العبد العافية وردها عليه عرف قدر تلك النعمة ؛ فلهج بشكره شكر من عرف المرض وباشر وذاق آلامه لا شكر من عرف وصفه ولم يقاس ألمه، فكما يقال: أعرف الناس بالآفات أكثرهم آفات، فإذا نقله ربه من ضيق المرض والفقر والخوف إلى سعة الأمن والعافية والغنى فإنه يزداد سروره وشكره ومحبته لربه بحسب معرفته وبما كان فيه، وليس كحال من ولد في العافية والغنى فلا يشعر بغيره.
17ـ ومن فوائد المرض: معرفة العبد ذله وحاجته وفقره إلى الله، فأهل السموات والأرض محتاجون إليه سبحانه، فهم فقراء إليه وهو غني عنهم ولولا أن سلط على العبد هذه الأمراض لنسي نفسه، فجعله ربه يمرض ويحتاج ليكون تكرار أسباب الحاجة فيه سبب لخمود آثار الدعوى وهو ادعاء الربوبية، فلو تركه بلا فاقة لتجرأ وادعى، فإن النفس فيها مضاهاة للربوبية، ولهذا سلط الله عليه ذل العبودية وهي أربع: ذل الحاجة، وذل الطاعة، وذل المحبة ـ فالمحب ذليل لمن أحبه ـ وذل المعصية، وعلى كل فإذا مرض العبد أحس بفقره وفاقته إلى الله كائنًا من كان 0
لعلك تقول: هذه الأخبار ددل على أن البلاء خير في الدنيا من النعيم، فهل نسأل الله البلاء؟ فٌول لك: لا وجه لذلك، بل إن الرسول قال دعائه لما أخرجه أهل الطائف: { إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي } ، وروى أن العباس لما طلب من الرسول أن يعلمه دعاء فقال له: { سل الله العفو والعافية، فإنه ما أعطى أحد أفضل من العافية بعد اليقين } ، وقال الحسن: الخير الذي لا شر فيه العافية مع الشكر، فكم من منعم عليه غير شاكر، وهذا أظهر من أن يحتاج إلى دليل، فينبغي أن نسأل الله تمام النعمة في الدنيا ودفع البلاء عنا، لكن إذا ابتلي العبد ببلاء فينبغي له الصبر والرضا بقضاء الله عليه.
أخيرًا أختم هذه الرسالة بأن المرض نعمة وليس بنقمة، وأن في المرض لذائذ:
1ـ منها: لذة العطف الذي يحاط به المريض والحب الذي يغمره من أقاربه ومعارفه.
2ـ ومنها: اللذة الكبرى التي يجدها المريض ساعة اللجوء إلى الله، هندما يدعوه مخلصًا مضطرًا.
3ـ ومنها: لذة الرضا عن الله عندما تمر لحظات الضيق على المريض وهو مقيد على السرير، ويبلغ به المرض أقصاه فيفيء لحطتها إلى الله كما حصل في نداء أيوب، فلا يحكم على المريض أو البائس بمظهره، فلعل وراء الجدار الخرب قصرًا عامرًا، ولعل وراء الباب الضخم كوخًا خربًا.
4ـ ومنها: لذة المساواة التامة، فهي سنة الحياة، فلا يفرق المرض بين غني أو فقير، فلو كان المرض سببه الفقر أو نقص الغذاء لكان المرض وقفًا على الفقراء، ولكان الأغنياء في منجى منه، لكنه لا يعرف حقيرًا أو جليلًا، الناس سواء.
تمت هذه الرسالة ولله الحمد والمنة.