فهرس الكتاب

الصفحة 19934 من 27345

ورجال الصدر الأول - رضوان الله عليهم - عندما تلقوا القرآن تلقيًا حقيقيًا؛ شعروا أن كيانهم النفسي كله يتزلزل ليعاد تركيبه من جديد، وفق ذلك التصور الجديد الذي جاءهم به الإسلام، وأن الكيان القديم الذي بني في الجاهلية، وفق تصورات معينة للحياة، ووفق واقع معين للحياة، لا يمكن أن يرقع ترقيعًا بالتصور الإسلامي الجديد، بل لا بد من زلزلةٍ وتصدعٍ كاملين في الكيان القديم، ليعاد إنشاؤه وفق هندسة جديدة، ووفق تصميم جديد .. لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ... [21] } [سورة الحشر] .

ولقد تصدع ما هو أقوى من الجبل، تصدع كيان النفس البشرية التي مسها هذا القرآن مسًا حقيقيًا، ليعاد تركيبها على نسق غير مسبوق .

محال إذن حين تتم العقيدة الإسلامية في قلب أن تظل قابعة سلبية في هذا القلب، أو أن تتحول إلى عبادات وشعائر، ثم تنتهي هناك، إنها لا بد أن تنطلق محاولة إبداع الحياة كلها وفق التصور الإسلامي للحياة، وفي الطريق تأخذ العبادات والشعائر؛ لأنها القاعدة التي تقوم عليها الصلة بين القلب البشري وخالقه، هذه الصلة التي يستمد منها العون والتصميم والاندفاع.

وقد يكون طريق الإبداع للحياة الجديدة هو تطويرها ولكنه لن يكون ترقيعها، وفرق بين أن يكون لديك تصميم معين للبناء تنفذه شيئًا فشيئًا، وأن ترقع بناء قائمًا على تصميم آخر، إن هذا الترقيع لن يحقق لك في النهاية بناء جديدًا ! .

إن الإسلام يرسم صورة معينة للحياة البشرية، صورة متكاملة، يحدد فيها النموذج البشري الذي يريد تكوينه، والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي تربط هذا المجتمع، ونظام الحكم والعلاقات الدولية التي تنظم الحياة العامة .

هذه الصورة المعينة التي يرسمها الإسلام للحياة لا يمكن تحقيقها بمجرد قراءة القرآن تجويدًا وترتيلًا، ولا بمجرد تسبيح الله بكرة وأصيلا، إنما هي تتحقق بترجمة المدلولات القرآنية إلى واقع عملي في حياة البشر، وبترجمة التسبيح إلى حركة وجدانية تتحول إلى حركة منظورة في عالم الواقع، وبترجمة المشاعر إلى صور تعبيرية ليس الهدف فيها هو مجرد التعبير، ولكن ما وراءه من حركة وتطوير.

وهذا المعنى كان مستقرًا استقرارًا تلقائيًا في نفوس رجال الصدر الأول - رضوان الله عليهم - ومن ثم أمكنهم أن يغيروا واقع الحياة في فترة تشبه الأحلام.. روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:' كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن' .

والرجل يقول:'حتى يعرف معانيهن' والمعرفة شيء غير مجرد الفهم .. المعرفة إدراك كامل، وانفعال بهذا الإدراك يتم في أعماق النفس، ثم:'العمل بهن' .

بهذا الإدراك الكامل لوظيفة القرآن أمكن إنشاء حياة جديدة كاملة لم يعرفها العرب قبل الإسلام، وبمثل هذا الإدراك الكامل يمكن أن يحقق الإسلام ذاته في عالم النفس، وفي عالم الواقع في كل زمان ومكان .

ولا يمكن تقسيم الإسلام إلى أجزاء، وفصل جزء منه عن الآخر، لا في طبيعة الإسلام، ولا في آثاره في النفس البشرية، أو في واقع الحياة . فليس الإسلام تفسير آية أو حديث في جانب، ثم دعوة إلى الجهاد في جانب، ثم عرض طرف من السيرة في جانب، ثم أدب مستقل في جانب، ثم نظام حكم محلي ودولي في جانب .. كلا.. إن الإسلام تصور كامل للحياة، ومنهاج كامل للحياة.

هذا التصور الكامل لطبيعة الإسلام هو الذي نحب أن يستقر في أخلاد المسلمين، وفي المقدمة دعاة الإسلام في هذا العصر؛ لأنه التصور الذي استقر في أخلاد الصدر الأول، فأبدع الحياة الإسلامية الجديدة، فكانت بدعًا في عالم الحياة كلها وما تزال .

في التاريخ .. فكرة ومنهَاج:

التاريخ ليس هو الحوادث، إنما هو تفسير هذه الحوادث، واهتداء إلى الروابط الظاهرة والخفية التي تجمع بين شتاتها، وتجعل منها وحدة واحدة متماسكة الحلقات، متفاعلة الجزئيات، ممتدة مع الزمن والبيئة امتداد الكائن الحي في الزمان والمكان .

ولكي يفهم الإنسان الحادثة ويفسرها، ويربطها بما قبلها وما تلاها، ينبغي أن يكون لديه الاستعداد لإدراك مقومات النفس البشرية جميعها: روحية وفكرية وحيوية، ومقومات الحياة البشرية جميعها: معنوية ومادية . وأن يفتح روحه وفكره وحسه للحادثة، ويستجيب لوقوعها في مداركه، ولا يرفض شيئًا من استجاباته لها إلا بعد تحرج وتمحيص ونقد .

ومتى استقام البحث على ذلك المنهج الذي أسلفنا، وبرزت تلك المقومات الأساسية لطبيعة الدعوة، وطبيعة الرسول، وطبيعة البيئة التي استقبلت الدعوة واستقبلت الرسول، وطبيعة المجتمع الإنساني الذي كان يعاصر مولد الإسلام، وطبيعة العقائد والأفكار التي كانت تسوده يوم ذاك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت