فهرس الكتاب

الصفحة 20014 من 27345

هؤلاء الذين يريدون تفسير تاريخنا الإسلامي في الإطار المحلي أو الإقليمي أو القومي أو الوطني؛ في سبيل إعلاء دعوة العنصرية أو العرق، مع أن الإسلام جاء ليقضي على استعلاء العنصرية والعرقية ويدعو إلى إقامة مجتمع الإخاء الإنساني العالمي.

كذلك فإن الدعوة إلى ربط التاريخ الحديث بالتاريخ القديم السابق للإسلام جاهليًا أو فرعونيًا أو فينيقيًا، إنما هو دعوة إلى أمر مستحيل؛ حيث سيطر الإسلام على الساحة الفكرية والاجتماعية والروحية والنفسية وللبشرية بعد أربعة عشر قرنًا وقطع الصلة بينهم وبين الماضي قطعًا لا سبيل إلى إعادته، وقد أكد علماء كثيرون غربيون أيضًا نظرية"الانقطاع الحضاري ولا استمرارية التاريخ"في هذه المنطقة، والحاجز الضخم الذي أقامه الإسلام بين الأمم وبين ما كان لها من تاريخ ودين وعقيدة وفكر من قبل.

ذلك أن ظهور الإسلام -وهو كذلك في تقدير الباحثين الغربيين المنصفين- هو علامة بارزة على بدء تاريخ العصر الحديث حتى بالنسبة لعوالم الغرب نفسه، وأن كل ما سبق الإسلام من حركات التاريخ إنما كانت تمهيدًا له، فالإسلام هو الذي حمل إلى البشرية لأول مرة"الأخوة البشرية"ووحدة الجنس الإنساني ووحدة الدين ووحدة الفكر بديلًا عن الوثنية في الفكر والعبودية في المجتمع، فهو الذي حرر الفرد في الجماعة وحرر النفس من عبادة غير الله وحرر العقل بالنظر إلى الكون؛ فدفعه إلى إنشاء المنهج العلمي التجريبي قاعدة الحضارة القائمة ولم يكن يعرف منه قبل الإسلام شئ ما.

كذلك الخطر الذي نواجهه في دراسة التاريخ: وهو تاريخ إسلامي أم تاريخ عربي أم تاريخ إسلامي عربي، وفي تسمية الحضارة هل هي إسلامية أم عربية، والفتوحات هل هي إسلامية أم عربية، والعلماء والمفكرون هل هم عرب أم فرس أم ترك.

كل هذه محاولات للتزييف وإثارة الشبهات وصرف الشباب المثقف عن الحقيقة التي هي معروفة ومقررة من أن الإسلام هو الذي أعطى العرب هذه الوحدة وهذه المكانة وهو الذي دفعهم في الأرض وأن هذه الحضارة وذلك الفتح وهذا العلم كله إنما جاء من الإسلام ولولا الإسلام ما استطاع العرب أن يقتحموا الآفاق أو يقيموا حضارة ما.

ونحن نعرف أن التراث الفكري الذي كان موجودًا قبل الإسلام سواء تراث بابل الغنوصي أو تراث فارس الوثني أو تراث اليونان المادي، إنما كان عبارة عن محاولات من البشر لتبرير رغبات الإنسان ومطامعه وأهوائه دون أن تكون قائمة على توحيد أو عدالة أو رحمة، وأن تراث الأديان نفسه كان قبل ذلك كله هو الضوء الوحيد الذي عرفته البشرية في طريقها، وأن هذا التراث قد حاولت التفسيرات الزائفة والدعوات المضللة أن تبدده وتمزقه وتخرجه عن مضمونه، حتى جاء الإسلام فألقى إلى البشرية تلك الحصيلة الضخمة البارة من العلم والفهم والإيمان والضياء؛ لإخراجهم من الظلمات إلى النور، وأن هذه الحصيلة وحدها هي التي فتحت الآفاق إلى النهضة والحضارة التي شملت أغلب أجزاء العالم إذ ذاك -هذا وإن كانت الحضارة الإسلامية قد استصفت إليها كل عصارات الفكر القديم وما وجدته صالحًا وصهرته في بوتقتها- ولم تترك إلا الزائف الفاسد.

ومن هنا فالحضارة إسلامية حقًا، وهؤلاء العلماء ليسوا غربًا وليسوا فُرسًا وليسوا أتراكًا، وإنما هم مسلمون كونت عقلياتهم فكرة التوحيد وملأت نفوسهم كلمة القرآن وعمرت أرواحهم دعوة الله إلى النظر في السماوات والأرض، فكل ما أنتجوا إنما جاء من محيط القرآن والإسلام وليس من محيط بلادهم أو تراثهم، ذاك أن الإسلام إنما أعاد صياغة عقليات وقلوب ونفوس أربابه وأصحابه خلقًا جديدًا فشكلهم على نمط جديد هو روح الإسلام، ومن قلب هذا الروح كان نتاجهم، ومن هنا فإن هذا التكوين النفسي والعقلي هو بمثابة الجنس والأخوة الإسلاميين.

إن منهج تفسير الإسلام للتاريخ هو المنطلق الوحيد للنظر في التاريخ الإسلامي العربي وإعادة كتابته من جديد، فإن التاريخ المكتوب الآن واقع تحت تأثير النظرة الاستشراقية التي تغض من شأن الإسلام لحساب خلفياتها الاستعمارية، أو النظرة القاصرة التي تستمد قدرتها من العقلية الغربية المسيحية التي لم تستوعب الفارق البعيد بين العقائد والأخلاق والقيم والتي تنطلق من مصدر واحد هو أن الإسلام دين عبادي لاهوتي محض، وهي نظرية المسيحية، أو نظرة الفكر الغربي المسيحي التي لا تعترف بأن الإسلام إنما هو نظام اجتماعي ومنهج حياة أصلًا وأن الدين بمعنى العبادة واللاهوت جزء منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت