فهرس الكتاب

الصفحة 20051 من 27345

أسباب أخرى تقوي هذا الثبات والمصابرة وهي: قيادة تهوى إليها الأفئدة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو القائد الأعلى للأمة الإسلامية بل وللبشرية جمعاء، يتمتع من جمال الخلق وكمال النفس، ومكارم الأخلاق، والشيم النبيلة والشمائل الكريمة، بما تتجاذب إليه القلوب، وتتفانى دونه النفوس، وكانت أنصبته من الكمال الذي يعشق لم يرزق بمثلها بشر. وكان على أعلى قمة من الشرف والنبل والخير والفضل. وكان من العفة والأمانة والصدق، ومن جميع سبل الخير على ما لم يتمار ولم يشك فيه أعداؤه فضلًا عن محبيه ورفقائه، لا تصدر منه كلمة إلا ويستيقنون صدقها اجتمع ثلاثة نفر من قريش كان قد استمع كل واحد منهم إلى القرآن سرًا عن صاحبيه ثم انكشف سرهم، فسأل أحدهم أبا جهل وكان من أولئك الثلاثة ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان قالوا: لنا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ واللَّه لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه. وكان أبو جهل يقول يا محمد إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل اللَّه: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] . وغمزه الكفار يومًا ثلاث مرات، فقال في الثالثة: يا معشر قريش، جئتكم بالذبح، فأخذتهم تلك الكلمة حتى إن أشدهم عداوة يرفؤه بأحسن ما يجد عنده. ولما ألقوا عليه سلا جذور وهو ساجد دعا عليهم، فذهب عنهم الضحك وساورهم الهم والقلق، وأيقنوا أنهم هالكون. ودعا على عتيبة بن أبي لهب فلم يزل على يقين من لقاء ما دعا به عليه حتى إنه حين رأى الأسد قال: قتلني واللَّه محمد وهو بمكة. وكان أُبي بن خلف يوعده بالقتل. فقال: بل أنا أقتلك إن شاء اللَّه، فلما طعن أبيًا في عنقه يوم أحد وكان خدشًا غير كبير، كان أبي يقول إنه قد كان قال لي بمكة أنا أقتلك. فواللَّه لو بصق عليّ لقتلني وسيأتي. وقال سعد بن معاذ وهو بمكة لأمية بن خلف لقد سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول إنهم - أي المسلمين - قاتلوك، ففزع فزعًا شديدًا، وعهد أن لا يخرج عن مكة، ولما ألجأه أبو جهل للخروج يوم بدر اشترى أجود بعير بمكة ليمكنه من الفرار، وقالت له امرأته يا أبا صفوان، وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: لا واللَّه ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبًا. هكذا كان حال أعدائه صلى الله عليه وسلم ، أما أصحابه ورفقاؤه فقد حل منهم محل الروح والنفس، وشغل منهم مكان القلب والعين، فكان الحب الصادق يندفع إليه اندفاع الماء إلى الحدور، وكانت النفوس تنجذب إليه انجذاب الحديد إلى المغناطيس. فصورته هيولي كل جسم ومغناطيس أفئدة الرجال وكان من أثر هذا الحب والتفاني أنهم كانوا يرضون أن تندق أعناقهم ولا يخدش له ظفر أو يشاك شوكة. وطىء أبو بكر بن أبي قحافة يومًا بمكة، وضرب ضربًا شديدًا، دنا منه عتبة بن ربيعة، فجعل يضربه بنعلين مخصوفين ويحرفهما لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ولا يشكون في موته، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا وقالوا لأمه أم الخير انظري أن تطعميه شيئًا أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحت عليه، وجعل يقول ما فعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت: واللَّه لا علم لي بصاحبك، فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد اللَّه، قالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد اللَّه، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك ذهبت، قالت: نعم فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعًا دنفًا، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت: واللَّه إن قومًا نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر، وإني لأرجوا أن ينتقم اللَّه لك منهم، قال: فما فعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: هذه أمك تسمع، قال: فلا شيء عليك منها، قالت: سالم صالح، فقال: أين هو؟ قالت: في دار ابن الأرقم. قال: فإن للَّه علي أن لا أذوق طعامًا ولا أشرب شرابًا أو آتي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فأمهلتا حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس خرجت ا به يتكىء عليهما حتى أدخلتاه على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم . وسننقل نوادر الحب والتفاني في مواقع شتى من هذه المقالة، ولا سيما ما وقع في يوم أحد، وما وقع من خبيب وأمثاله. الشعور بالمسؤولية: فكان الصحابة يشعرون شعورًا تامًا ما على كواهل البشر من المسؤولية الفخمة الضخمة، وأن هذه المسؤولية لا يمكن عنها الحياد والانحراف بحال، فالعواقب التي تترتب على الفرار عن تحملها أشد ضخامة وأكبر ضررًا عما هم فيه من الاضطهاد. وأن الخسارة التي تلحقهم - وتلحق البشرية جمعاء - بعد هذا الفرار لا يقاس بحال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت