قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كمثل حامل المسك ونافخ الكير, فحامل المسك إما أن يحذيك [يضع الطيب على يدك] ، وأما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك, وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة' [رواه البخاري] .
أنت في الناس تقاس بالذي اخترت خليلا
فاصحب الأخيار تعلُ وتنل ذكرًا جميلا
صحبة الخامل تكسو من يواخيه خمولا
لا بد أن يتفهم الأبوان أن هناك مرحلة أساسية لا بد من أن يمر بها الشاب, يكون الدور الرئيس في التأثير في توجيهاته وأفكاره وتصوراته هو لأقرانه ممن هم في نفس سنه، وذلك لاتحاد الرغبات والمشاعر والتطلعات، وتنبه معي لهذا المثل القرآني اللطيف لإخوة يوسف عليه السلام مع أنهم قد اجتمعوا على التخلص من أخيهم حسدًا لمنزلته عند أبيه, إلا أن التأمل في درجات الكيد يؤكد لنا أن صلاحهم وتربية أبيهم قد أثمرت، فها هي رفقة صالحة أغواها الشيطان في معصية، لكن لصلاحها تجد التصعيد كما سماه المفسرون تصعيدًا نحو الخير لا الشر، أو بمعنى أدق إلى تقليل الشر {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا...} , {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} .
إنه القتل.. كلا هذا كثير، فالطرح أرضًا.. كلا أيضًا، فالإلقاء في الجب ليلتقطه بعض المارة فيظل على قيد الحياة، ثم محاولة لإلغاء الأمر كله بقوله: {إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} هذا يسمى تصعيدًا نحو الخير, بعكس رفقة السوء تجدهم يتبارون في التصعيد نحو الشر ويتنافسون فيه, ويسهل جدًا تحقيق هذه الوسيلة من وسائل الوقاية بضبط الوسيلة الأولى وهي تحديد الهوية والانتماء بتحديد المرجعية والهدف.
ثالثًا: ضبط وتوجيه الشهوات:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'من يضمن ليس ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة'.
هناك ثلاث شهوات لا بد من الاستعداد لها بالوقاية.
1ـ شهوة الفرج. 2ـ شهوة الطعام. 3ـ شهوة الكلام
القاعدة: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40ـ41] .
أـ خوف من مقام الله. ب ـ نفس محكومة بالعقل المنضبط بالشرع.
[1] شهوة الفرج:
لا بد من توضيح حدود العلاقة بالنوع الآخر, وبيان فضيلة العفة والحفظ والصون للنفس عن الحرام، وتعظيم نماذج المتعففين، والتوعية الكاملة الشرعية بمعاني البلوغ وسن التكليف الشرعي، وكذلك توضيح الممارسات الخطأ ومدى خطورتها نظرًا لما وصلته مجتمعاتنا من انفتاح وتعدد لصور الفساد, أو على الأقل فتح قناة اتصال قوية تكفي لكي يتحدث الشاب عما وصل سمعه وبصره من صور غير طبيعية ليمكن التوجيه من الأبوين فيها.
[2] شهوة البطن:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'ما ملأ آدمي وعاءً شرًا من بطنه, إنما يكفي ابن آدم لقيمات يقمن صلبه...'.
الأكل وسيلة وليس غاية في حد ذاته، فلا يحرم التمتع بطيب الطعام لكن بغير إسراف ولا مباهاة، والاعتدال والاتزان في كل الأمور مطلوب.
[3] شهوة الكلام:
وفيه يراعي أوجهًا:
أـ نوع الكلام: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش البذيء...'.
وقال صلى الله عليه وسلم: 'الكلمة الطيبة صدقة', وتنبه للألفاظ الدائرة في المحيط المعيشي للابن وأهمية تنقيتها أولًا بأول, والتنبه المبكر للأخلاق الكلامية من نوع الكذب والغش والنميمة والغيبة وغيرها، وبدء التعامل معها مبكرًا، أو وضع الأصول التي تقي من الإصابة بها واجتناب كل ما يدفع الأبناء إلى ارتكابها.
ب ـ كمية الكلام: ورد في الشرع ذم الثرثرة وبيان أن من كثر كلامه كثر خطؤه.
د ـ تحديد وقت الكلام ووقت الصمت، وبيان ما يناسب كل موقف وتعليمه للأبناء.
ومثال ذلك موقف عمر بن الخطاب من ابنه عبد الله عندما عرف إجابة السؤال عن النخلة فلم يجب.
وفي الجزء الثاني نواصل توضيح باقي النقاط الواجب الاعتناء بها للوقاية من الوقوع في المشكلات مع الأبناء