وابن المنيح ومرداسا وإخوته ** إذ فارقوا زهرة الدنيا مخاميصا
وقد يقول قائل: هذا شي طبيعي ان يتمدح أحدهم الآخر لأنهم على منهج واحد ، فأقول نعم ، ولكن المفارقة العجيبة ان الذي يمتدح حرقوصا وابن المنيح ومرداسا يكفر علي بن ابي طالب والصحابة من ورائه ، وهذه هي المأساة التي وقع فيها هؤلاء ، حين لا يتورعون عن تكفير صحابة النبي الأكرم ، وتجد الواحد يتيم في حب خارجي مثله ، او يتورع عن تمرة في بستان رجل نصراني !
السمة الخامسة:
نفسية الغالي نفسية جلدة على حمل الفكرة حتى لو وقف الناس كلهم في طريقه ، ولذا لا يتورع من مفاصلة اقرب الناس اليه إذا لم يسر على مايريد ، فاليوم هو الرجل المقرب الكريم السلفي العظيم الامام الهمام ، وغدا هو الزنديق المرتد المبتدع الضال المضل ، بل رأسا من رؤوس الضلالة ، فهو ينحي منحى الغلو في الطرفين في الحب والكره ، ولا يتوسط في أمر من أموره ، فهو كما قال القائل:
وإنا لقوم لا توسط بيننا ** لنا الصدر دون العالمين او القبر
ولذا كان الغلاة من الصوفية والخوارج والمعتزلة وغيرهم من أشد الناس جلدا على العبادة والتخشع والتبتل ، والبعد عن الدنيا وزخرفها ، بل يعيش الواحد من هؤلاء ممتطيا صهوة جواده الى ان يموت فلقد قال قائلهم:
من كان يكره ان يلقى منيته ** فالموت أشهى الى قلبي من العسل
وقال الآخر:
حتى متى تخطئني الشهادة *** والموت في أعناقها قلادة
وكان الحويرث الراسبي ينعى على نفسه طول البقاء ويذمها فيقول:
اقول لنفسي في الخلاء ألومها ** هُبلتِ دعيني قد مللت من العمر
ومن عيشة لا خير فيها دنيئة ** مذممة عند الكرام ذوي الصبر
ولذلك فإن الواحد يترك النعيم في سبيل نصرة ربعه الضلال ، وهذا يذكرني بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه"اللهم إني اعوذ بك من جلد الفاجر وعجز التقي"، إذ لو كان أهل الحق على جلد أهل الباطل لصلحت أحوالهم ، وتعيرت حياتهم ، فذلك الخارجي الذي تدعوه عروسه الى ترك ما هو عليه يقول لها:
تعاتبني عرسي على أن اطيعها ** وقبل سليمى ما عصيت الغوانيا
فكفي سليمى واتركي اللوم إنني ** أرى فتنة صماء تبدي المخازيا
فكيف قعودي والشراة كما ارى ** عِزينَ يلاقون المنايا الدواهيا
والشراة هؤلاء فرقة من الخوارج الذي يقول فيهم شاعرهم:
سلام على القوم الشراة نفوسهم ** وليس على القوم القعود سلام
فهم شراة ، أي باعوا نفوسهم لله واشتروا الجنة ، وكل من سواهم فهم قعود لا خير فيهم ، وهذا يذكرني ببعض صفات أهل الغلو المعاصرين الذين اذا ركبوا منهجا او تيارا او فكرة سلبت لبهم ، وصارت كل همهم في ليلهم ونهارهم ، فكل من سواهم فهو ضال ، او مخذل او منحرف او قد باع دينه بعرض من الدنيا قليل ، فان كان داعية سلخوه بالسنة حداد ، وان كان عالما حاصروه بأوصاف منفرة مقززة ، فكل من سواهم لا خير فيه ، وهم الفرقة الناجية ، والطائفة المنصورة ، المقيمين للاسلام القامعين للشرك والمعصية ، فهم هم ، وغيرهم بهم ،مهما كان عند غيرهم من خير ، إلا انهم لا يرونه خيرا ما دام ليس على طريقتهم والمنهج الذي يرتضونه ، وما عليك سوى ان تتامل في هذا حتى تدرك حقيقة الغلو وكيف يردي صاحبه .. !