فأين الساكتون؟ أين الذين قالوا: لم تعظون قومًا الله مهلكهم؟ سكت عنهم القرآن كما سكتوا عن الدعوة، سكت الله عن الساكتين عن الحق، ولذلك اختلف العلماء فيهم، فمنهم من قال: نجوا لأنهم كرهوا المنكر، فمن كره المنكر وعرف أنه منكر فهذه أول خطوات النجاة، وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رجع عن القول بهلاكهم، قال حماد بن زيد عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس في الآية، قال:"ما أدري أنجا الذين قالوا )لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا(، أم لا؟"، قال: فلم أزل به حتى عرفته أنهم قد نجوا فكساني حلة،
قال ابن كثير رحمه الله:"ولكن رجوعه أي ابن عباس إلى قول عكرمة في نجاة الساكتين أولى من القول بهذا (يعني قوله الأخر بهلاكهم) . لأنه تبين حالهم بعد ذلك والله أعلم."
وقوله تعالى: )وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ...( الآية، فيه دلالة على ان الذين بقوا نجوا.
وواضح أن حكم الساكتين مما يفهم من الآية وليس صريحًا، لذلك فالاحتمال وارد أن يكونوا من الطائفة الهالكة لتركهم الواجب عليهم، ويحتمل أنهم نجوا بكرهيتهم والله أعلم.
وابن عباس كان يبكي رضي الله عنه عند سماع هذه الآية وتلاوتها، وهذا من تطبيق الصحابة للقرآن عمليًا على واقعهم، قال ابن عباس:"رأينا أشياء وسكتنا"، فلنا أن نتخيل المنكرات أيام ابن عباس ماذا كان نوعها لكي يبكي ابن عباس؟، ولما أشار إليه عكرمة بأنهم ربما يكونون قد نجوا لأنهم كرهوا المنكر كساه ثوبين، ذلك أن الأمر المختلف فيه غير الذي نص عليه القرآن، فنحن نحلف بالله أنه من دعا إلى الله من هذه الطائفة نجا قال تعالى: )أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ(، ولا نستطيع أن نحلف ولا أن نجزم بشأن الطائفة الساكتة، ولذلك من أرد أن ينجو، فليدخل في ضمان النجاة بإذن الله تبارك وتعالى.
قال تعالى: )فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ(.
لما رأت الطائفة الواعظة عدم الاستجابة من الطائفة المعتدية في السبت، رحلوا وهذه كانت بداية النجاة لهم وبنوا سورًا بينهم وبين أهل المعصية كما ذكر ذلك ابن عباس رضي الله عنهما.
كيف كانت نجاة الدعاة إلى الله؟ انعزلوا بعد أن اكملوا بلاغ الحق إلى الناس وانعدمت الاستجابة، ولا يرجى أن يستجيب أحد لأن العتاة صاروا يقابلون الدعوة بالإباء والإعراض والتولي عن الذكر فالدعوة استنفدت كل أهدافها، فلابد من الرحيل إلى مكان آخر نستطيع أن نعبد الله فيه.
كما قال تعالى: )قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ( [الزمر:10] ، وقال: ) يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ( [العنكبوت:56] ، فالله عز وجل أمرنا أن نعبده في مكان من الأرض، فلو لم توجد فائدة من الدعوة إطلاقًا فلا يجوز أن نبقى في هذه البلدة التي تنتشر فيها المنكرات، كما قال الإمام مالك بن انس:"لا يحل لأحد أن يبقى في بلدة يسب فيها السلف"، فإذا كان الرب يسب والدين يسب والعياذ بالله، فإذا كنت تبقى للدعوة إلى الله والإعذار إلى الله ولكي يستجيب أحد من أبناء المسلمين للحق، أو تستنقذ مسلمًا من هلكة فلتقم، أما أن تبقى لمجرد الكل والشرب، ولمجرد تحصيل الأموال، فلا يجوز أن تبقى في مكان ينتشر فيه المنكر من أجل أغراض دنيوية.
فهذه الطائفة المعذبة"عتوا عما نهوا عنه"فبعد أن كانوا يتحايلون، استمروا في الإجرام اكثر، فشرعوا يصطادون يوم السبت مباشرة، ويعتدون في السبت مباشرة والعياذ بالله، وفي يوم من الأيام أمر الله عز وجل هذا الأمر الذي ذكره سبحانه وتعالى: )قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ(، أمر تكوين، أمر الله عز وجل بكن فكانوا قردة أذلاء خاسئين مسخوا قردة والعياذ بالله.
في يوم من الأيام أراد الصالحون أن يعرفوا ماذا فعل أصحابهم؟ فتسلقوا السور، أو فتحوا بينهم بابًا، فلم يجدوا في القرية أحدًا، ووجدوا قردة تتعاوى، فنزلوا ينظرون ما الشأن، فلم يجدوا أحدًا منهم وكان القرد يعرف قريبه وجاره، ولا يعرفه ذلك القريب، فيأتيه ويشمه ويربت عليه فيقول:"ألم أكن أنهاك؟ فيشير أن نعم، ويبكي ولا يستطيع أن يتكلم والعياذ بالله، وقيل مسخ شبابهم قردة وشيوخهم خنازير وذلك أن الله ذكر مسخ الخنازير أيضًا والخنزير أقبح، قال تعالى: )قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ( [المائدة:60] ."