فهرس الكتاب

الصفحة 20590 من 27345

ثم مضت الأعوام ، وبارك الله لكل واحد منهم في ماله ، فإذا به يملك واديًا من الصنف الذي أخذه ، فالأول يملك واديًا من الإبل ، والثاني يملك واديًا من البقر ، والثالث يملك واديًا من الغنم , وهنا جاء موعد الامتحان الذي يفشل فيه الكثير وهو امتحان السراء والنعمة فبعض الناس قد يصبر على الشدة ولكنه لا يعرف حق النعمة , مع أن الكل بلاء وفتنة , قال عز وجل { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } الأنبياء (35 ) . فعاد إليهم الملك ، وجاء كل واحد منهم في صورته التي كان عليها ،ليذكر نعمة الله عليه, فجاء الأول على هيئة مسافر فقير أبرص , انقطعت به السبل وأسباب الرزق , وسأله بالذي أعطاه الجلد الحسن واللون الحسن ، والمال الوفير ، أن يعطيه بعيرًا يواصل به سيره في سفره , فأنكر الرجل النعمة , وبخل بالمال ، واعتذر بأن الحقوق كثيرة ، فذكره الملك بما كان عليه قبل أن يصير إلى هذه الحال , فجحد وأنكر ، وادعى أنه من بيت ثراء وغنى, وأنه ورث هذا المال كابرا عن كابر، فدعا عليه المَلَك إن كان كاذبًا أن يصير إلى الحال التي كان عليها , ثم جاء الأقرع في صورته , وقال له مثل ما قال للأول , وكان حاله كصاحبه في الجحود والإنكار , أما الأعمى فقد كان من أهل الإيمان والتقوى ، ونجح في الامتحان , وأقر بنعمة الله عليه , من الإبصار بعد العمى , و الغنى بعد الفقر , ولم يعط السائل ما سأله فقط , بل ترك له الخيار أن يأخذ ما يشاء ، ويترك ما يشاء ، وأخبره بأنه لن يشق عليه برد شيء يأخذه أو يطلبه من المال ، وهنا أخبره الملك بحقيقة الأمر وتحقق المقصود وهو ابتلاء الثلاثة وأن الله رضي عنه وسخط على صاحبيه .

فهؤلاء الثلاثة يمثلون أصناف الناس , الشاكرون لأنعم الله , والكافرون بها ، وهو يدل على أن الله لايزال يبتلي العباد بالسراء والضراء كما ابتلى هؤلاء الثلاثة , ليتبين الشاكر من الكافر , وأن النعم إنما تدوم بالشكر , وهو الاعتراف بها للمنعم , والتحدث بها بين الناس , وتصريفها في مرضاته , فبهذه الأمور تحفظ النعم من الزوال والضياع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت