فهرس الكتاب

الصفحة 20654 من 27345

ونحن نعرف أن الاستعمار والصهيونية والماركسية يتعاونون على هدف واحد وإن اختلفوا في مطامع السيطرة، هذا الهدف هو تدمير المعنوية والأصالة والذاتية في الأمة الإسلامية حتى تخضع وتدخل دائرة الاحتواء وتنصهر في الأتون اللعين، أنون الأممية. ومن ثم تفقد ذلك الشيء الذي يميزها ويجعلها أمة لها قدرتها الخاصة على إقامة كلمة الله، وعلى العمل لإقامة المجتمع الرباني.

جاء الاستعمار وهدفه إحلال مخطط جديد وفكر جديد مختلف في الغاية والوجهة، هو إدخال المسلمين في الدائرة الغربية المغلقة، وإخراجهم من الدائرة الربانية الموسعة الجامعة، مستهدفًا حصرهم واحتواءهم، ولقد جرب الغرب أسلوبه في الديمقراطية الغربية وأحس العالم الإسلامي أنها جسم غريب، ثم جاءت الموجة الأخرى المتابعة لها وهي الماركسية ورفضها الجسم الإسلامي والعقل الإسلامي، وأثبت الروح الإسلامي أنه غير قابل للاحتواء والانصهار في أي النظامين، غير أن التجربة المظلمة: تجربة تطبيق النظام الغربي في المجتمع والتعليم والسياسة والاقتصاد والقانون كانت مصدرًا للهزائم المتوالية التي وقعت فيها المنطقة العربية، نكبة ونكسة وهزيمة، واحتلال فلسطين والقدس، كانت أفكار القومية والإقليمية والتجزئة مصدر التمزق والهزيمة، لقد كانت الهزيمة نتيجة هجر المنهج الإسلامي، منهج الأصالة والذاتية، والانصهار في مناهج الغرب التي لم تكن صالحة لأهلها أو محققة لهم قيام المجتمع الأمثل، أن الذي هزم هو التخطيط العسكري والسياسي الوافد، أما الإسلام فإنه لم يكن موجودًا أو مطبقًا حتى تنسب الهزيمة إليه، بل كان قد أبعد تمامًا وحوصر.

إن التجربة التي بدأت بالاحتلال الغربي وانتهت بهزيمة 1967 م يجب أن تضع تحت لأعيننا رصيدًا ضخمًا من الوعي واليقظة والحذر، تجاه فكرة تقليد الغرب بشقيه، أنماط الغرب، الترف، الاستهلاك، الانحلال، التمزق، الغربة، الغثيان، كلها هي ميراث هذا الفكر الغربي الوافد الذي يقدم لنا عن طريقين: عن طريق مترجمات غثة رديئة، لا نختار إلا الإباحيات والسموم والانحراف وتدع كل ما هو إيجابي وصالح ونافع، لم تقدم هذا على أنه مسلمات وحقائق، بينما هو لم يبلغ درجة النظرية، وليس درجة العلم إنما هو ركام شديد السوء تقدمه أقلام مليئة بالحقد والكراهية والتعصب، مدفوعة إلى تدمير المجتمعات وهزيمة القيم وإثارة الشبهات والشهوات والإباحيات.

لقد علمنا الإسلام أن نقف من المعارف المعروضة علينا موقف التعرف الصحيح على قيمها الحقيقية، وعلى مصادرها، وعما إذا كانت نافعة أم ضارة، إيجابية أم سلبية، وأن علينا أن نرفض الزيف والتفاهات أن ننبه عليها.

وأنة نعرف أن لنا من العلوم موقفًا ومن الثقافات الأممية موقفًا، ومن هذا الركام الزائف المنشور في كتيبات تباع على الأسوار موقفًا آخر، وعلينا أن نعرف الفرق بين العلوم والفلسفات، فالفلسفات نظريات فردية قوامها فروض تصح وتخطئ، وهي مرتبطة عادة ببيئتها وعصورها، وليست صالحة لعصور أو بيئات أخرى لأن جانبها الذاتي بالإضافة إلى صدورها عن تحديات مجتمعها وعصرها وأمور مجتمعها كل هذا يجعلها أقل صلاحية لأن تكون إنسانية أو عامة.

والعلوم التجريبية شيء غير الفلسفات وغير الثقافات، ومن حق الشباب علينا أن نقدم لهم مترجمات عن الفكر الغربي ولكنها يجب أن تكون مسبوقة باستعراض لها، فإذا قدمنا لهم ماركس أو سارتر، أو هيجل، أو فرويد، فعلينا أن نقدم ذلك في إطار عصره وفكره، وأن نقدم أيضًا وجهة نظر فكرنا في هذا العمل أو ذاك. ذلك أن للفكر الإسلامي منهجه ومنطلقه وطابعه الخاص به، وهو مختلف عن مناهج ومنطلقات وخواص وطوابع الفكر العربي: الذي مر بمراحل مختلفة، وتركز في صور عديدة، منها الاقتصاد والنفس، والاجتماع والقانون، وكلها تختلف عن مفهوم الإسلام.

فلنكن على حذر مما يقدم إلينا من هذه المترجمات.

أما ما تكتبه الأقلام العربية من مصدر ولاء للفكر الغربي أو الفكر الماركسي، فإن علينا أن نعرف موقف الإسلام من كل ما يقدم، وإلا تختلط علينا المفاهيم فتجرفنا إلى ما يخرجنا من طوابعنا وذاتيتنا، حتى لا نسقط في فخ الفكر العالمي، الأممي الذي يستهدف صهرنا وإذابتنا في بوتقته حتى تضيع تلك الصفة الخاصة التي يتميز بها المسلمون: وتلك هي أخطر التحديات التي تواجه"الأصالة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت