وكان يأمر أصحابه بالصبر على شدة الأذى إذا شكوا إليه ذلك، ويذكرهم بأذى من سبقهم من الصابرين في الأمم السابقة، كما في حديث خباب بن الأرت قال:"شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا؟"
قال: (كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون) رواه البخاري في صحيحه وغيره.
كما كان يأمر بالصبر أصحابه إذا لقوا عدوهم في ساح المعارك، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموهم فاصبروا) رواه البخاري أيضا.
وفي حديث طويل لأنس بن مالك رضي الله عنه، في قصة توزيع غنائم هوازن، قال للأنصار آمرا لهم بالصبر:
(إنكم سترون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم على الحوض) رواه البخاري ومسلم.
وكان صلى الله عليه وسلم يبايع أصحابه على الصبر، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال:"سألت نافعا على أي شيء بايعهم على الموت؟ قال: لا بل بايعهم على الصبر"والمراد بيعتهم له صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة عام الحديبية والذي يبايع على الصبر، لا يفر من الموت في المعركة لمبايعته على الصبر.
ومن جوامع كلمه في الصبر قوله صلى الله عليه وسلم، في حديث لأبي سعيد الخدري: (وما أُعطِي أحدٌ من عطاءً خير وأوسع من الصبر) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
ولو أردنا تتبع ما ورد في الكتاب والسنة في هذه القاعدة - قاعدة الصبر - وما يترتب عليها من جلب مصالح ودفع مفاسد لا اقتضى كتابا مستقلا، فلنكتف بما ذكر.
القاعدة الثانية: التوكل على الله والاعتماد عليه وإحسان الظن به وبنصره: وهذه القاعدة كأختها السابقة: الصبر، وصف الله بها عباده المؤمنين، وأنبياءه ورسله بل قصرها عليهم، وهم قدوة المؤمنين وعلى رأسهم خاتمهم نبينا صلى الله عليه وسلم، فقد طبقوها في حياتهم، وأمروا بها أتباعهم، ففازوا في الدنيا والآخرة وكان النصر حليفهم.
قال تعالى: (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) ) [الأنفال (2) ]
وقد أمر الله تعالى رسوله بالتوكل عليه واصفا نفسه بـ (الحي الذي لا يموت) إشارة إلى أن كل من سوى الله تعالى، مهما عظمت منزلته واشتدت قوته، فمصيره الهلاك والهالك لا يجلب نفعا لأحد اعتمد عليه من دون الله، كما قال: (( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ) ) [الفرقان (58) ]
وأخبر تعالى أنه كاف من توكل عليه صادقا، فقال: (( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) ) [الطلاق (3) ]
أمثلة لتطبيق رسل الله التوكل عليه
ومن تطبيقات رسله عليهم الصلاة والسلام التوكل على ربهم والاعتماد عليه، موقف نوح عليه الصلاة والسلام من عناد قومه وجبروتهم وقوة تحديه لهم وهو لا يملك جيشا وسندا قويا غير الذي توكل عليه، كما قال تعالى:
(( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ ) ) [يونس (71) ]
فهو يتحداهم بأن يعزموا جميعا على فعل ما يريدونه به من السوء والأذى، ويستعينوا بشركائهم التي يعبدونها من دون الله، وليكن عملهم ضده واضحا جليا لا يخفونه، ويعجلوا به بلا تأخير ولا إمهال.
أعلن هذا التحدي بعد أ، خبرهم بِقَصْر اعتماده وتوكله على ربه الذي لا يضيع من توكل عليه: (( فعلى الله توكلت ) ).
وشبيه بنفس موقف نوح موقف هود عليه السلام، من قومه الذين ادعوا أن آلهتهم التي نهاهم عن عبادتها من دون الله، أصابته بسوء وكأنهم يهددونه بالمزيد من ذلك، فرد عليهم ذلك الرد القوي الذي لا يصدر إلا ممن استند إلى من يقول للشيء: (( كن فيكون ) )معللا موقفه ورده عليهم بتوكله على الله، قال تعالى:
(( إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )) [ (56) ]