فهرس الكتاب

الصفحة 20928 من 27345

ومن أقر بهذا كله وجحد البعث كفر بالإجماع وحل دمه وماله، كما قال جل جلاله: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض، ونكفر ببعض، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا، أولئك هو الكافرون حقا واعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا} ، فإذا كان الله قد صرح في كتابه أن من آمن ببعضٍ فهو الكافر حقًا، وأنه يستحق ما ذكر. زالت هذه الشبهة، وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الأحساء في كتابه الذي أرسل إلينا .

* ويقال أيضًا: إذا كنت تقر أن من صدق الرسول في كل شئ وجحد وجوب الصلاة، أنه كافر حلال الدم بالإجماع، وكذلك إذا أقر بكل شئ إلا البعث ، وكذلك إذا جحد وجوب صوم رمضان لا يجحد هذا، وصدق بذلك كله ولا تختلف المذاهب فيه، وقد نطق به القرآن كما قدمنا، فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي محمد ، وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج، فكيف إذا جحد الإنسان شيئاُ من هذه الأمور كفر؟ ولو عمل بكل ما جاء به الرسول، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر، سبحان الله! ما أعجب هذا الجهل .

ويقال أيضًا: هؤلاء أصحاب رسول الله قاتلوا بني حنيفة وقد أسلموا مع النبي ، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلون ويؤذنون، فإن قال: إنهم يقولون: أن مسيلمة نبي، قلنا: هذا هو المطلوب، إذا كان من رفع رجلا إلى رتبة النبي ، كفر وحل ماله ودمه، ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة، فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف، أو صحابيا، أو نبيا، إلى مرتبة جبار السموات والأرض؟ سبحان الله ما أعظم شأنه {كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون} .

ويقال أيضًا: الذين حرقهم علي بن أبي طالب بالنار، كلهم يدعون الإسلام، وهم من أصحاب علي وتعلموا العلم من الصحابة ولكن اعتقدوا في علي، مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما، فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟ أتظنون أن الصحابة يكفرون المسلمين؟ أم تظنون أن الاعتقاد في تاجٍ وأمثاله لا يضر، والاعتقاد في علي بن أبي طالب يكفر؟

ويقال أيضًا: بنو عبيدٍ القداحِ الذين ملكوا المغرب ومصر في زمان بني العباس، كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويدعون الإسلام، ويصلون الجمعة والجماعة فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه، أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين.

ويقال أيضًا: إذا كان الأولون لم يكفروا إلا لأنهم جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسول والقران، وإنكار البعث، وغير ذلك، فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب"باب حكم المرتد"وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أنواعًا كثيرة كل نوعٍ منها يكفر ويحل دم الرجل وماله، حتى أنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب.

ويقال أيضًا: الذين قال الله فيهم: {ويحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم} أما سمعت أن الله كفرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله يجاهدون معه ويصلون معه ويزكون ويحجون ويوحدون، وكذلك الذين قال الله فيهم: {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} فهؤلاء الذين صرح الله أنهم كفروا بعد إيمانهم وهم مع رسول الله في غزوة تبوك، قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح.

* فتأمل هذه الشبهة وهي قولهم: تكفرون من المسلمين أناسًا يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون ويصومون، تأمل جوابها فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق .

ومن الدليل على ذلك أيضًا حكى الله عن بني إسرائيل مع إسلامم وعلمهم وصلاحهم أنهم قالوا لموسى: {اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة} ، وقول ناسٍ من الصحابة:"اجعل لنا ذات أنواط"فحلف أن هذا نظير قول بني إسرائيل اجعل لنا إلهًا.

* ولكن للمشركين شبهة يدلون بها عند هذه القصة وهي أنهم يقولون: فإن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك، وكذلك الذين قالوا:"اجعل لنا ذات أنواط"لم يكفروا.

فالجواب أن تقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك وكذلك الذين سألوا النبي لم يفعلوا، ولا خلاف في أن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك، ولو فعلوا ذلك لكفروا، وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب.

ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري عنها فتفيد التعلم والتحرز ومعرفة أن قول الجاهل التوحيد فهمناه أن هذا من أكبر الجهل وكايد الشيطان.

"وتفيد"أيضًا أن المسلم إذا تكلم بكلام كُفر وهو لا يدري فنبه على ذلك فتاب من ساعته، أنه لا يكفر، كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي ،"وتفيد"أيضًا أنه لو لم يكفر فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظًا شديدًا كما فعل رسول الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت