فهرس الكتاب

الصفحة 20935 من 27345

وروى الإمام الطبري بسنده في تفسيره عن أبي اسحق السبيعي قال: قلت للبراء بن عازب - الصحابي: يا أبا عمارة، الرجل يلقى ألفًا من العدو، فيحمل عليهم، وإنما هو وحده - يعني أنه مقتول في العادة لا محالة - أيكون ممن قال الله تعالى فيهم: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ؟ فقال: (لا، ليقاتل حتى يقتل، قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} [النساء: 84] ) .

وذكر نحو ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في فتواه المشهورة في قتال التتار، مستدلًا بما روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم من قصة أصحاب الأخدود، وفيها أن الغلام أمر بقتل نفسه، لأجل مصلحة ظهور الدين - حين طلب إليهم أن يرموه بالسهم ويقولوا: باسم الله رب الغلام - قال: (ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار، وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين) .

ما قاله صاحب تفسير المنارالعلامة رشيد رضا: (ويدخل في النهي؛ النطوح في الحرب بغير علم بالطرق الحربية، التي يعرفها العدو، كما يدخل فيه كل مخاطرة غير مشروعة، بأن تكون لاتباع الهوى لا لنصر الحق وتأييده) .

ومفهوم هذا أن المخاطرة المشروعة المحسوبة التي يرجى بها إرهاب عدو الله وعدونا، ويُبتغى فيها نصر الحق لا اتباع الهوى، لا تكون من الإلقاء باليد إلى التهلكة [المصدر: نقلا عن المركز الفلسطيني للإعلام] .

ومن هنا فإنه لا يصح الاعتراض على هذه العمليات بأنها من المحرمات بقوله تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إى التهلكة} فقد جاءت هذه الآية في سياق الكلام عن القتال والإنفاق في سبيله، وبما لا يفيد ما قصد إليه الاستسلاميون، وأصحاب السلام الاستراتيجي.

وإنه ليجب التسوية - على الأقل - في منزلة الشهادة بين من قتل نفسه بيده ومن قتل نفسه بسلاح عدوه إذا كان كل منهما قد دخل إلى المعركة وهو على يقين من الموت، وهذا بيت القصيد في مخالفة بعض المفتين.

بل إنا نقول: وإنه لمن باب أولى أن يكون الحكم بشرعية من يسعى إلى الشهادة وهو على يقين من الموت أولى ممن يسعى إليها وهو على رجاء بالنجاة - مع الاحتفاظ بنسبة من الرجاء في جميع الأحوال - وكما يقول الأستاذ الدكتور عجيل النشمي: (ولا شك أن التسبب بقتل النفس بفعل مباشر من الشخص أشد على النفس من قتل الغير له، فهذه"شهادة"مع"عزيمة") .

ونقول بغير مبالغة: إن هؤلاء الاستشهاديين سبقوا - من حيث هذا الفعل المبتكر - سلفهم من أجيال الشهداء، فهم قد أبدعوا السلاح الذي أعاد ميزان الردع والرعب بعد فقدانه ولفترة طويلة مع عدو الإسلام، إلى حد ما نراه من انزعاج أعداء الله، وتخبطهم في تعريفه كتخبطهم في مقاومته، وعلى رأسهم أمريكا العاتية، وهي من هي في ترسانة للأسلحة زادت تكاليفها على عشرات مئات البلايين من الدولارات دون جدوى.

ولا باس من الاعتراف لهؤلاء الاستشهاديين بهذا السبق فقد شهد رسول الله به لأجيال تأتي من بعد جيل الصحابة والقرون الأولى لعلهم يدخلون في ظله.

روى البخاري في خلق أفعال العباد من حديث أبي جمعة ولفظه: كنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وآله ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا: يا رسول اللّه هل من أحد أعظم منا أجرًا؟ آمنا بك واتبعناك؟! قال صلى الله عليه وسلم: (وما يمنعكم من ذلك ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء؟ بل قوم يأتون من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين فيؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرًا) .

وفي سنن الترمذي بسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوّله خير أم آخره) [سنن الترمذي، حديث رقم 2869] .

واخرج الحاكم في مستدركه وصححه الذهبي عن أبي جمعة قال: تغدينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، قال: فقلنا: يا رسول الله أحد خير منّا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك؟ قال: (نعم! قوم يكونون بعدكم يؤمنون بي ولم يروني) .

وفي نيل الأوطار: أخرج أبو داود والترمذي من حديث ثعلبة - ورفعه: (تأتي أيام للعامل فيهن أجر خمسين) ، قيل: منهم أو منا يا رسول اللّه؟ قال: (بل منكم) .

وذكر أنه جمع جمهور العلماء - أي بين هذه الأحاديث وحديث"خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم": بأن التنصيص على فضيلة الصحابة باعتبار فضيلة الصحبة، وأما باعتبار أعمال الخير فهم كغيرهم، قد يوجد فيمن بعدهم من هو أكثر أعمالًا منهم أو من بعضهم فيكون أجره باعتبار ذلك أكثر، فكان أفضل من هذه الحيثية، وقد يوجد فيمن بعدهم ممن هو أقل عملًا منهم أو من بعضهم فيكون مفضولًا من هذه الحيثية.

والمقصود أن تأتي الأفضلية نتيجة مضاعفة اجر العمل إلى خمسين ضعفا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت