وكان أبو طلحةَ رجلًا رَامِيَا شَدِيدَ القِدِّ ( أَيْ أَنَّ وَتَرَ قوسِهِ مَشدُودٌ لِقَوِّتِهِ ) يَكسِرُ يَومَئِذٍ قَوسَينِ أَو ثَلاثًا ، وكان الرجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ الجَعبَةُ مِنَ النَّبْلِ ، فَيَقُولُ: انثُرها لأبي طَلحَةَ ، فَأَشرَفَ النبيُّ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ يَنظُرُ إلى القَومِ ، فَيَقُولُ أَبو طلحةَ: يَا نبيَّ اللهِ ، بِأَبي أَنتَ وَأُمِّي ، لا تُشرِفْ يُصبْكَ سَهمٌ مِن سِهَامِ القَومِ ، نحري دُونَ نحرِكَ ..
فَرَضِيَ اللهُ عنه وأرضاه ، ما أَغلَى مَا فَدَى بِهِ رَسولَ اللهِ ! فَدَاهُ بِنَحرِهِ وَوَقَاهُ بِصَدرِهِ ، وَجَعَلَ نَفسَهُ حَائِطًا يَصُدُّ سِهَامَ القَومِ عَن جَسَدِ الحبيبِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ
أيها المسلمون ، ولم يَكُنْ أَمرُ محبَّةِ النبيِّ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ مَقصورًا على الرِّجالِ مِنَ الصحابةِ دُونَ النِّساءِ ، بل لَقَد كان فِيهِنَّ مَن ضَرَبَت في ذلك مثلا ، فقد أخرج الطبرانيُّ عن أنسِ بنِ مالكٍ ـ رضي اللهُ عنه ـ قال: لمَّا كان يَومُ أُحُدٍ حَاصَ أَهلُ المَدِينةِ حَيصَةً وقالوا: قُتِلَ محمدٌ ، حتى كَثُرتِ الصَّوارِخُ في نَاحِيَةِ المَدينةِ ، فَخَرَجَتِ امرأةٌ مِنَ الأَنصَارِ مُتَحَزِّمَةً ، فَاستُقبِلَت بِابنِها وَأَبِيها وَزَوجِها وَأَخِيها ، لا أَدرِي أَيَّهُم استُقبِلَت بِهِ أَوَّلًا ، فَلَمَّا مَرَّت على آخرِهِم ، قالت: مَن هذا ؟ قالوا: أَبوكِ ، أَخوكِ ، زَوجُكِ ، ابنُكِ ، تَقُولُ: ما فَعَلَ رَسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ ؟ يَقُولُونَ: أَمَامَكِ ، حتى دُفِعَت إلى رَسولِ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ فَأَخَذَت بِنَاحِيَةِ ثَوبِهِ ، ثم قالت: بِأَبي أنت وَأُمِّي يَا رَسولَ اللهِ ، لا أُبَالي إِذَا سَلِمَتَ مِن عَطَبٍ ... وفي السِّيرةِ لابنِ هِشامٍ أنه ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ مَرَّ بِامرأةٍ مِن بَني دِينَارٍ وقد أُصِيبَ زَوجُها وَأَخُوها وَأَبُوها مَعَهُ بِأُحُدٍ ، فَلَمَّا نُعُوا لها قَالَت: فَمَا فَعَلَ رَسولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ ؟ قَالُوا: خَيرًا يَا أُمَّ فُلانٍ ، هو بِحَمدِ اللهِ كَمَا تُحبِّينَ ، قالت: أَرُونِيهِ حتى أَنظُرَ إِلَيهِ . قال: فَأُشِيرَ لها إليه ، حتى إذا رَأَتْهُ ، قالت: كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعدَكَ جَلَلٌ ..
أَيْ كُلُّ مُصِيبَةٍ دُونَكَ هَيِّنَةٌ صَغِيرَةٌ . فَرَضِيَ اللهُ عن صحابةِ رَسولِ اللهِ وأرضاهم ، وجزاهم خيرًا عن نَبِيِّهِم وَدِينِهِم ، فقد آمنوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ حَقَّ الإِيمانِ ، وَجَاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ وَنَافَحُوا عن رَسولِ اللهِ ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشيطانِ الرجيمِ: \"وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُم وَرَضُوا عَنهُ وَأَعَدَّ لَهُم جَنَّاتٍ تَجرِي تَحتَهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوزُ العَظِيمُ \"
أما بَعدُ ، فاتقوا اللهَ ـ تعالى ـ حَقَّ التقوى ، وتمَسَّكوا مِنَ الإِسلامِ بِالعُروةِ الوُثقى \"وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا \".
أيها المسلمون ، وَإِذَا كان ما سَبَقَ مِن مَوَاقِفَ لِلصَّحَابَةِ الكِرامِ ـ رُضوانُ اللهِ عليهم ـ تَدُلُّ على شَدِيدِ محبَّتِهِم لِنَبِيِّهِم وحبِيبِهِم ـ عليه الصلاةُ والسلامُ ـ فَإِنَّ في أُمَّتِهِ الآنَ مَن يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا ، يَوَدُّ مَعَهُ لَو رَآهُ وَأَنَّهُ لم يَرَ مَالًا وَلا أَهْلًا ، روى مُسلِمٌ عنه ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ أنه قال: \"مِن أَشَدِّ أُمَّتي لي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعدِي ، يَوَدُّ أَحَدُهُم لَو رَآني بِأَهلِهِ وَمَالِهِ \"
وَإِذَا كان الصحابةُ قد فَدَوا رَسولَ اللهِ بِأَروَاحِهِم وَمَا يملِكُونَ ، فَإِنَّهُ لا يُعجِزُ أَحدَنَا ـ أيها المسلمون ـ أَن يَستَمِرَّ في مُقَاطَعَتِهِ لِمَنِ استَهزَؤُوا بِهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ فَوَاللهِ مَا قَامَت حَيَاةُ أَحدِنا على زُبدَةٍ وَلا جُبنَةٍ ، وَلا على حَلِيبٍ أَو لَبنٍ ، يَصنَعُهُ هؤلاءِ أَو يُنتِجُونَه ، ثم يُسَوِّقُونَهُ لَدَينا مُمتَصِّينَ أَموَالَنَا ، ثم يُحَارِبُونَنَا بها وَيَستَهزِئُونَ بِرَسُولِنَا وحَبيبِنا ..
ألا فَرَحِمَ اللهُ امرَأً استَمَرَّ في مُقاطَعتِهِ أعداءَ الله ورسولِهِ ، سُخْطَةً لِلحَبِيبِ ، فَلَعَلَّهُ بِذَلك أَن يَنَالَ مِنَ الفَلاح نَصِيبًا ، يَقُولُ ـ سبحانَه ـ: \"فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ \"