قال: هذا من فضل الله وما أقول لكم. كنت رجلًا عيارًا صاحب عصبية. فجزت يومًا فإذا أنا بقرطاس في الطريق، فرفعته فإذا فيه:"بسم الله الرحمن الرحيم". فمسحته وجعلته في جيبي. وكان عندي درهمان ما كنت أملك غيرهما. فذهبت إلى العطارين فاشتريت بهما غالية ومسحته في القرطاس. فنمت في تلك الليلة، فرأيت في المنام كأن قائلًا يقول:
يا بشر بن الحارث رفعت اسمنا عن الطريق وطيبته، لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة!
ثم كان ما كان.
وحكي أن بشرًا كان في زمن لهوه في داره، وعنده رفقاؤه يشربون ويطيبون. فاجتاز بهم رجل من الصالحين، فدق الباب. فخرجت إليه جارية، فقال:
صاحب هذه الدار حر أو عبد؟
فقالت: بل حر!
فقال: صدقت لو كان عبدًا لاستعمل أدب العبودية وترك اللهو والطرب.
فسمع بشر محاورتهما فسارع إلى الباب حافيًا حاسرًا وقد ولى الرجل. فقال للجارية: ويحك! من كلمك على الباب؟ فأخبرته بما جرى.
فقال: أي ناحية أخذ هذا الرجل؟
فقالت: كذا.
فتبعه بشر حتى لحقه، فقال له: يا سيدي! أنت الذي وقفت بالباب وخاطبت الجارية؟
قال: نعم.
قال أعد عليّ الكلام.
فأعاده عليه. فمرّغ بشر خديه على الأرض وقال:
بل عبد! عبد! عبد!
ثم هام على وجهه حافيًا حاسرًا حتى عُرف بالحفاء. فقيل له:
لمَ لا تلبس نعلًا؟
قال: لأني ما صالحني مولاي إلا وأنا حاف. فلا أزول عن هذه الحال حتى الممات.
ومن كلامه رحمه الله قوله: (الدعاء ترك الذنوب. إن لم تطع فلا تعصِ. الحلال لا يحتمل السَّرَف) .
ومن كلام ذي النون المصري رحمه الله قوله:
أن تحب ما أحب الله وتبغض ما أبغض الله، وتفعل الخير كله، وترفض كل ما يشغل عن الله، وألا تخاف في الله لومة لائم... مع العطف للمؤمنين، والغلظة على الكافرين، واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين.
ومن كلام شفيق البلخي رحمه الله قوله:
* اتق الأغنياء: فإنك متى عقدت قلبك معهم وطمعت فيهم، فقد اتخذتهم أربابًا من دون الله عز وجل.
* الزاهد الذي يقيم زهده بفعله، والمتزهد الذي يقيم زهده بلسانه.
* جعل الله أهل طاعته أحياء في مماتهم، وأهل المعاصي أمواتًا في حياتهم.
* ليس شيء أحب إلي من الضعيف، لأن رزقه ومئونته على الله، ولي أجره.
(1) هو بشر بن الحارث بن علي بن عبد الرحمن المروزي أبو نصر المشهور والمعروف ببشر الحافي. كان من كبار الصالحين، وعلى حال حسنة من الزهد والورع كما تتحدث الأخبار. وهو من ثقات رجال الحديث من أهل"مرو"كانت إقامته ووفاته ببغداد وقد توفي رحمه الله سنة 129هـ.
الذين يخشون يوم الحساب
عمرو بن العاص رضي الله عنه على فراش الموت
روى الإمام مسلم في صحيحه عن ابن شماسة قال: حضرنا عمرو بن العاص رضي الله عنه وهو في سياقة الموت يبكي طويلًا، وحوّل وجهه إلى الجدار. فجعل ابنه يقول: يا أبتاه أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟ أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا؟
فأقبل بوجهه فقال: أن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
إني قد كنت على أطباق ثلاث:
لقد رأيتني وما أحد أشد بغضًا لرسول الله صلى الله وسلم مني، ولا أحب أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار.
فلما جعل الله الإسلام في قلبي، أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أبسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه فقبضت يدي. فقال:"مالك يا عمرو؟"قلت: أردت أن أشترط. قال:"تشترط بماذا؟"قلت: أن يغفر لي. قال:"أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قلبه وأن الهجرة تهدم ما كان قلبها، وأن الحج يهدم ما كان قلبه؟"وما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة.
ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها.
فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنًا -صبوه قليلًا قليلًا- ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جذور لحمها حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع رسل ربي.
الهوامش
* مجلة حضارة الإسلام -السنة 9 -العدد 3 -جمادى /1388 -آب/1968
* مجلة حضارة الإسلام السنة 6 -العدد9 -ذو القعدة 1385هـ /آذار 1966م
* مجلة حضارة الإسلام -السنة 9 -العدد 10 -ذو الحجة 1388هـ /آذار 1969م
* مجلة حضارة الإسلام -السنة 7 -العدد 6 -شعبان 1386هـ -تشرين الثاني 1966م
* مجلة حضارة الإسلام -السنة 7 -العدد 10 -ذو الحجة /1386 -آذار /1967