ومن المعلوم أن المسلمين ما قاتلوا الكافرين يوما بكثرة عدة أو عتاد، بل هم في جل المعارك أقل من أعدائهم في القوة المادية والبشرية، ثم إن الله كان ينصرهم لصدق إيمانهم، لأن إيمانهم كان إيمان عمل، لا إيمان كسل، لكن إذا صار إيمانهم أجوفا ليس له حقيقة، إيمان لا يدعو إلى العمل، فإنهم سيفقدون سبب النصر الأعظم، ومن ثم فلا عجب أن يهزموا أمام عدوهم، لأن المنطق يقضي بغلبة صاحب العدة حين يغيب صاحب الإيمان.
( الإيمان: قول وعمل... عقيدة حية مؤثرة) ...
كان المسلمون الأوائل يحاسبون أنفسهم على كل صغيرة وكبيرة، ويتهمونها بالتقصير، ويتعاهدون إيمانهم لأنهم يعلمون أنه يزيد وينقص، فهم يحبون زيادته، ويخافون من نقصانه، قال أبو الدرداء:
"من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه"، الطحاوية 343
كانوا يجتنبون المعاصي جميعها، وإذا أذنبوا استغفروا ولم يصروا على ما فعلوا، كانوا يسارعون في الطاعات طلبا للزيادة من الإيمان، هذا عمر يقول:
"هلموا نزدد إيمانا"الطحاوية343
كانوا يعلمون أن رأس مالهم هو إيمانهم، وأن الطاعات وقود هذا الإيمان، واجتناب المعاصي يحفظ ذلك الإيمان، ولأجل ذا نصرهم الله، وأعلى بهم الدين، وجعلهم سادة العالم..
وإذا ما تمكن أعداؤهم منهم لبعض الفترات بسبب الغفلة والشهوات سرعان ما كان يفيض وجدان المسلم وإيمانه فيسترد عافيته، وينطلق ليحرر الأرض ويحرر الإنسان، وما ذلك إلا لصحة اعتقاده، فإنه مهما كان مسرفا إلا أن عقيدته الصحيحة كانت كفيلة بإرجاعه إلى الطريق المستقيم، لكن البلية والمصيبة حلت عندما فسد الاعتقاد، فضاع المسلم بين شهوة وعقيدة فاسدة، فالشهوة أضعفت قوته، وسلبت منه العزة، ومكنت منه عدوه، والعقيدة الفاسدة ضيعت عليه طريق العودة إلى قوته وعزته، بل ساهمت في زرع الهوان في نفسه..
وقد أدرك أعداء الإسلام أهمية إفساد اعتقاد المسلم ليسهل قياده وإذلاله، فنشطوا كل الطوائف والفرق الضالة التي تهدم العقيدة الإسلامية، من ذلك فرق الصوفية، تلك الفرق التي تدعو إلى عبادة القبور، أي تدعو إلى الشرك، والتي لا تأمر بالمعروف ولا تنهى عن المنكر، لأنه ليس في قاموسها تلك الشعيرة العظيمة، وفي ذات الوقت نشط أعداء الملة في بث الشهوات المحرمة من خلال وسائلهم الخبيثة، ليحكموا القبضة على عنق المسلم، فصار المسكين بين:
-عقيدة ضالة، لا تخوفه من المعصية، ولا تدعوه إلى الطاعة..
-وهوى النفس وشهواتها المحرمة،..
-وثالثة الأثافي تزيين الرذيلة والدعوة إليها ليلا ونهارا، في كل مكان، وتيسير سبيلها، ومكافأة فاعليها، ورفع شأنهم، وتناقل أخبارهم..
فما كان منه إلا أن انجرف خلف التيار الجارف دون وعي، فسقط في حبائل الشيطان، فصار أسير في يد الأعداء، ولربما أفاق حينا من غفلته، وأزمع على التوبة من ذنبه، وشعر بالندم بفطرته، لكنه يصدم بمن يقول له:
"الإيمان في القلب، وأنت لم تكفر، والله غفور رحيم"..
وربما قال له:"أنت صاحب رسالة سامية".. فيفسخ العزم، ويعود إلى مستقنع الرذيلة مرة أخرى..
لذا فأول طريق الإصلاح هو تصحيح الاعتقاد، وما ضربت إلا مثلا واحدا من الأمثلة في فساد الاعتقاد، وكيف كان ذلك سببا في ضعف المسلم وهوانه، فما نقول في كثير الاعتقادات الفاسدة التي غزت أمة الإسلام؟، فلا بد إذن من تنقية الإيمان مما شابه، فنعود لنذكر بأن الإيمان:
"قول وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية"..
فاحفظوا هذا، وتعلموه، وعلموه من تلقون ومن تعرفون من أهليكم وبنيكم وأمتكم.
أبو سارة