المعصية في ذاتها شي عظيم ؛ لأنها مخالفة لأمر الرب الإله الذي لا إله إلا هو ، خالق السموات والأرض ، وخالق كل شيء ، وهو رب كل شيء ومليكه الذي خضع له كل شيء ، وذَلّ له كل شيء ، فهو القاهر فوق عباده ، وهو الحكيم الخبير الذي لا يغيب عنه من شئون عباده صغير ولا كبير .. فهو القائم على كل نفس بما كسبت ، والذي (لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرّةٍ فِي السّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ) ]سبأ:3 [ ، الذي تخافه الملائكة العظام وتكاد السموات أن يتفطرن من فوقهن فرقًا وخوفًا منه . والذي يمسك السموات والأرض أن تزولا ... والذي لا يحيط أحد من خلقه علمًا به ، وهو يحيط علمًا بكل مخلوقاته ، ولا يغيب عنه سبحانه خطرات نفوسهم ولا نزعات قلوبهم ، ولا وساوس صدورهم ، الذي وسع كل شيء رحمة وعلمًا ، والذي لا يقبل من أحد من مخلوقاته إلا الإذعان له ، والاستسلام لأمره . والذي يكرم من شاء من خلقه وعباده فلا يكون لإكرامه منتهى ولا لعطائه حد ، ويهين من شاء من خلقه ، فلا تكون لإهانته مثيل ، ويعذب من أراد من عبيده ، فلا يكون لعذابه نهاية ، ولا لعذابه شبيه (فَيَوْمَئِذٍ لاّ يُعَذّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ . ولا يُوثِقُ وثَاقَهُ أَحَدٌ) ] الفجر:25-26 [ ، وهو الرب الإله الذي جعل الخلق كله له ، فلا يخلق إلا هو ، ولا يستطيع غيره أن يخلق ذرة ، ولا بُرّة ، ولا ذبابًا ، . والذي يملك نفع خلقه وضرهم فلا يملك غيره لأحد من خلقه لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء هو .. وهو الرب الإله خالق السموات والأرض الذي لا يكرثه ولا يتعبه خلق السموات والأرض ولا حفظهما في أماكنها ومداراتها . فمن ذا يستطيع أن يضع الشمس في مكانها غيره ، وأن يضع القمر في مكانه غيره ، والنجوم في مساراتها ، والمجرات في مجاريها .. ومن الذي أتقن كل ذلك ، قال تعالى: (إنّ اللّهَ يُمْسِكُ السّمَوَاتِ والأَرْضَ أَن تَزُولا ولَئِن زَالَتَا إنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إنّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) ] فاطر:41 [. فهو مالك الملك كله ، ومدبر الكون كله لم يساعده أحد ولم يعاونه أحد في خلق الكون ، ولا حفظه ، بل هو الخالق لكل ما في الكون والحافظ له ، والمقيم له ، وهو الذي يفرط عِقد هذا الكون وقتما شاء ويبدل السموات والأرض وقتما يريد ، قال تعالى: (إذَا السّمَاءُ انفَطَرَتْ . وإذَا الكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ . وإذَا البِحَارُ فُجّرَتْ . وإذَا القُبُورُ بُعْثِرَتْ . عَلِمَتْ نَفْسٌ مّا قَدّمَتْ وأَخّرَتْ) ] الانفطار:1-5 [ . وقال تعالى: (إذَا الشّمْسُ كُوّرَتْ . وإذَا النّجُومُ انكَدَرَتْ . وإذَا الجِبَالُ سُيّرَتْ . وإذَا العِشَارُ عُطّلَتْ . وإذَا الوُحُوشُ حُشِرَتْ . وإذَا البِحَارُ سُجّرَتْ . وإذَا النّفُوسُ زُوّجَتْ . وإذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ . بِأَيّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ . وإذَا الصّحُفُ نُشِرَتْ . وإذَا السّمَاءُ كُشِطَتْ . وإذَا الجَحِيمُ سُعّرَتْ . وإذَا الجَنّةُ أُزْلِفَتْ . عَلِمَتْ نَفْسٌ مّا أَحْضَرَتْ) ] التكوير:1-14 [ وقال تعالى: (إذَا السّمَاءُ انشَقّتْ . وأَذِنَتْ لِرَبّهَا وحُقّتْ . وإذَا الأَرْضُ مُدّتْ . وأَلْقَتْ مَا فِيهَا وتَخَلّتْ . وأَذِنَتْ لِرَبّهَا وحُقّتْ . يَا أَيّهَا الإنسَانُ إنّكَ كَادِحٌ إلَى رَبّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ) ] الانشقاق:1-6 [ هذا الرب الإله سبحانه وتعالى الذي وصف نفسه في القرآن فقال: (إنّ رَبّكُمُ اللّهُ الَذِي خَلَقَ السّمَوَاتِ والأَرْضَ فِي سِتّةِ أَيّامٍ ثُمّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يُغْشِي اللّيْلَ النّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا والشّمْسَ والْقَمَرَ والنّجُومَ مُسَخّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الخَلْقُ والأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبّ العَالَمِينَ) ] الأعراف:54 [. وقال جل وعلا: (اللّهُ لا إلَهَ إلاّ هُوَ الحَيّ القَيّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ لّهُ مَا فِي السّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إلاّ بِإذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ومَا خَلْفَهُمْ ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مّنْ عِلْمِهِ إلاّ بِمَا شَاءَ وسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَوَاتِ والأَرْضَ ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وهُوَ العَلِيّ العَظِيمُ) ] البقرة:255[. وقال جل وعلا: (اللّهُ الَذِي خَلَقَ السّمَوَاتِ والأَرْضَ ومَا بَيْنَهُمَا فِي سِتّةِ أَيّامٍ ثُمّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ مَا لَكُم مّن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكّرُونَ . يُدَبّرُ الأَمْرَ مِنَ السّمَاءِ إلَى الأَرْضِ ثُمّ يَعْرُجُ إلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مّمّا تَعُدّونَ . ذَلِكَ عَالِمُ الغَيْبِ والشّهَادَةِ العَزِيزُ الرّحِيمُ . الّذِي أَحْسَنَ كُلّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأَ خَلْقَ الإنسَانِ مِن طِينٍ . ثُمّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مّن مّاءٍ مّهِينٍ . ثُمّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رّوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ