فهرس الكتاب

الصفحة 2163 من 27345

وأما قول الزمخشري ( إلى ربها ناظرة ، تنظر إلى ربها خاصة ، لا ننظر إلى غيره ، وهذا معنى تقديم المفعول ، إلاّ ترى إلى قوله - إلى ربك يومئذ المستقر - إلى ربك يومئذ المساق - إلى الله تصير الأمور - إلى الله المصير - وإليه ترجعون - عليه توكلت وإليه أنيب - كيف دل فيها التقديم على معنى الاختصاص ، ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر ولا تدخل تحت العدد في محشر يجتمع فيه الخلاق كلهم ) (1) . [[ الكشاف 4/192] ]

ثم جعل هذا دليلًا على أن معنى النظر إلى الله عنده ( أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلاّ من ربهم ) كما قال (2) . [[ المصدر السابق ] ]

فجوابه أن الاختصاص على ظاهره فإن الله تعالى إذا تجلى لأهل الجنة ينظرون إليه ، كما تواتر في السنة ، فلا تتوجه الوجوه والأنظار إلاّ إليه وكأنها لا ترى إلاّ هو ، وسبحان الله ، كيف يتصور أن تطلب العيون نظرًا إلى غير الله إذا تجلى بعظمته ، وكيف لا تعمى عن سواه إذا أزال رداء الكبرياء عن وجهه الكريم ؟ بل هذا أعظم لذّات الجنة وليس بين هذا النعيم وسائر نعيم الجنة وجه مقارنة أصلًا كما تقدم في حديث مسلم (فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إليه ) .

وفي الوجوه الأربعة المتقدمة رد على قوله ( والمعنى أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلاّ من ربهم) .

وأما الاستدلال بقوله ( لا تدركه الأبصار ) فقد اشتبه عليهم ويتبين برده إلى المحكم معنا الصحيح ، فإنه لا ريب أن ما دلت عليه الآيات السابقة والأحاديث المتواترة من حصول رؤية المؤمنين ربهم ، محكم غاية الأحكام ، فقوله تعالى ( لا تدركه الأبصار ) لا يدل على عدم الرؤية بل هو أدل على وقوع الرؤية ، وذلك أن الآية ذكرت في ( سياق التمدح ومعلوم أن المدح ، إنما يكون بالصفات الثبوتية .

أما العدم المحض فليس بكمال فلا يمدح به ، وإنما يمدح الرب تعالى بالنفي إذا تضمن أمرا وجوديا ، كمدحه بنفي السنة والنوم المتضمن كمال قيوميته ، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة ، ونفي اللغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة ونفي الشريك والصاحبة والولد المتضمن كمال الربوبية والألوهية وقهره ، ونفي الأكل والشر المتضمن كمال توحيده وغناه عن خلقه ، ونفي الظلم المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه ، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته ، ونفي المثل المتضمن كمال ذاته وصفاته ، ولهذا لم يتمدح بعدم محض لم يتضمن أمرا وجوديا ، فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم ، ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه .

فمعنى الآية إذن ، يرى ولكن لا يدرك ولا يحاط به فيكون قوله تعالى ( لا تدركه الأبصار ) يدل على كمال عظمته وأنه أكبر من كل شيء ، وأنه لكمال عظمته لا يدرك بحيث يحاط به ، فإن (الإدراك) ، هو الإحاطة بالشيء ، وهو قدر زائد على الرؤية كما قال تعالى { فلما تراءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون ، قال كلا} الشعراء (62) ، فلم ينف موسى الرؤية وإنما نفى الأدراج ، فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر ، وبدونه فالرب تعالى يرى ولا يدرك ، كما يعلم ولا يحاط به علما ، وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من الآية كما ذكرت أقوالهم في تفسير الآية ، بل هذه الشمس المخلوقة لا يتمكن رائيها من إدراكها على ما هي عليه) (1) . [[ شرح الطحاوية 208] ]

وهذا ختام كتاب ( أم البراهين ) والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأجمعين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت