فهرس الكتاب

الصفحة 21669 من 27345

' لست وحدك ' هذا الخطاب الداخلي كمثال يعتبر كغيره من الخطابات الداخلية أحد الأسلحة متعددة الاستخدامات حيث يمكنه أن يدفع الإنسان نحو التفاؤل والطموح والعمل ويمكنه كذلك القعود بهمته عن النظر إلى الأعلى وتبرير القعود والتخاذل والأمر كالتالي:

' لست وحدك الذي تفعل الخطأ بل كل الناس كذلك ': الشخص في العادة لا يرضى أن يرى نفسه على خطأ أو مصرا على باطل ولا يحب بالتأكيد أن يراه الناس كذلك ولكنه في الوقت ذاته يرتبط بالخطأ ارتباطا وثيقا فهو لا يملك - تبعا لوجهة نظره - الانفكاك عنه إذن فما الحل ؟ الحل الأسهل والذي سرعان ما تلجأ إليه النفس أن كل الناس كذلك ,أنني لست الوحيد الذي يفعل الخطأ وانظر حولك , ففي مجال المعاصي مثلا , يتحدد الخطاب الداخلي لمرتكب المعصية بقوله أنا أفضل من كثير من الآخرين ويقيس نفسه على من هو أكثر منه في نوع المعاصي أو درجتها أو عدد مرات حدوثها وتكرارها بل وقد تلجأ النفس إلى التأكيد على أن الكل يفعل ذلك لبيان أن من يخالف ليسوا إلا أقلية , هذا النوع من الخطاب النفسي لن يولد إلا مزيدا من الاستقرار على المعصية , والكثير من المخزون الاحتياطي لتمويل الشعور بالفشل والإحباط والانهزام النفسي عند أول تجربة أو محاولة فهي محكوم عليها بالفشل من البداية لماذا ؟ لأن الخطاب النفسي الداخلي يغذي هذا النوع من الفشل , فشخص يخاطب نفسه بخطاب داخلي مستمر مؤداه أنه لن ينجح ولن يحقق ما يريد ثم هو بعد ذلك يضحك على نفسه وعلى من حوله بدعوى أنه مع هذا الكم من الإحباط واليقين الداخلي بالفشل إلا أنه سيبذل ما عليه ويؤدي العمل لكي يقوم بما يلزم القيام به , ولست بحاجة هنا للحديث عن نوع النتائج التي سنحصل عليها عند تنفيذ أي عمل بهذه النفسية إن المصير هو الفشل المحتوم بلا جدال.

وفي المقابل تأمل في أثر الخطاب الداخلي المعنون: ' لست وحدك الذي تقاوم بل الكثير يقاوم وينجح ' على كلا المستويين الديني والدنيوي , إنها نفسية وروح المقاتل التي لا تفتر ولا تلين , روح ملؤها التفاؤل والبذل , هذه الروح هي التي نرجو لها النجاح , إنه لست وحدك الذي تتعرض للفشل في المرات الأولى من بداية أي عمل فكم من شخص فشل ثم نال النجاح بعد ذلك بالصبر وتكرار المحاولة , ولو كان استسلم للفشل الأول ونادى كما يفعل الجهال بأعلى صوته: هذا قدري ولا مفر لي منه - لو فعل ذلك

-لما نال ما ناله من النجاح وتحقيق المراد , وأن العبد منا إنما خلقه رب العالمين ليعمر الأرض كلها ولتكون مسخرة لأمره فكيف والحال كذلك أن يصغر قدر العبد عند نفسه وتنخذل قواه وتتكسر طموحاته مع أول موقف يشتم منه رائحة الفشل أو الانكسار , إنه لست وحدك فطابور النجاح والتفوق وتحقيق الطموح طويل ومليء بالنماذج وكلهم شعارهم الصبر والدأب لتحقيق المراد لا غير.

إنه لا يمكن لك عزيزي القارئ أن تحقق في عالم الواقع ما تعجز عن تصور نفسك وأنت تحققه , والمشكلة أن ظروف العالم المعاصر تربط الشخص إلى عجلة دائرة لا تتوقف من التنفيذ داخل نظام ثابت فتسلبه لحظات الخيال التي تمكنه من تصور نفسه وهو ينجح أو حتى أن يفكر أن يضع هدفا لنفسه يريد تحقيقه , وهكذا يمضي أكثر الناس حياتهم في قوالب ينتجها الآخرون , فهذا يكتفي بأن يكون موظفا وذلك لا يأمل في أن يصبح أكثر من عامل , ويندر أن تجد من يرتقي بطموحه وأفكاره فوق هذه الأدوار المحددة سلفا , إلا أن الذهن البشري يمكنه أن يتغير , بل إنه الشيء الوحيد الذي يتغير تغيرا مؤثرا فيما حوله , وبتغيره تتغير حياة صاحبه وبدونه لا يحدث أي تغيير وعلى صاحبه - أي أنت - أن يؤمن بأن:

التغيير ممكن وليس مستحيلا.

التغيير شخصي يبدأ من الذات لا من الخارج.

التغيير مفيد ولا يتحتم أن يكون مؤلما.

يقول رب البرية جل وعلا:' إن الله لا يغير ما يقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم , وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ' وفي هذه الآية ملمحان رئيسيان:

الأول: التغيير الحقيقي في الأمم كاملة إنما ينشأ عن تغيير الأفراد لذواتهم , وسبحان الله ما أوضح المنهج القرآني في بيان طبائع الفنوس وحقيقة قدراتها وطرق التعامل المثلى معها , فالله تعالى يخبر عن نفسه أنه لن يغير حال قوم أو أمة حتى يبدأ أفراد هذه الأمة بالتغيير من داخل ذواتهم لأن لفظة ' ما بأنفسهم ' تؤكد ذلك , وهي إشارة لبيان المدخل الفعال لإحداث التغيير الحقيقي للأمة.

الثاني: من لم يغير فلا يلم إلا نفسه لأن الله تعالى أمر بالتغيير , تغيير الباطل إلى الحق , والهوى إلى الاتباع , والكسل إلى النشاط , والتشاؤم إلى التفاؤل , والحزن إلى السرور , ومن أبى أن يجاهد نفسه في سبيل التغيير وما ينشأ عنه من نعيم الدنيا والآخرة فليستعد فلا مرد لعقاب الله تعالى لمن أبى الارتقاء والرفعة وتحمل المسؤولية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت