فهرس الكتاب

الصفحة 21714 من 27345

كان من أوائل الرجال الهداة في هذه المعركة هو الفارس المجلّى والسيف اليماني المحلى الأستاذ الكبير مصطفى صادق الراّفعي عليه من الله أوفى الرّحمات وأسبغها.

لقد كان الرافعي كاتب الإسلام الأول في هذا العصر وفي هذه المعركة ومع أنه كان واحدًا من كثيرين في هذه المعركة، ولكن الرافعي هو العلم المتميز بقوة العاطفة الهادرة وبأسلوبه الناري وقمعه الرادع وصلصلته المرنة التي لا تستمدّ رنينها من قوة الألفاظ وحدها، فالألفاظ في متناول الكاتبين جميعا، ولكنها تستمد قوتها مما وراء الألفاظ من روح غلاّبة قاهرة، هي روح البطل الجبار الذي يثق من قوته الحربيّة، ومهارته الفنية في حلبات الصّيال. (3)

البداية:

تفتحت المعركة من كوَّةٍ فتحها رجل مستعرب أعمى الله بصيرته فخرق في الأمر خرقًا، هو

(2) الإتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر2/272-273. للدكتور محمد محمد حسين رحمه الله، وهذا الكتاب يكشف لك بدايات الكشوف التي استقرت بعد ذلك لتيار الزندقة وقواعد الاسلام المستتر!! (زعموا) إنما مبدأ كشفها تم على يد رجال الأدب والثقافة لهذه الأمة، فالأفغاني ومحمد عبده كانت بدايات التنبه الى ما هم عليه إنما تعتمد على هذا الكتاب وكذلك الإشارة الى جرائم سعد زغلول وارتباطه بأفكار التحلل الإجتماعي والسياسي كتحرير المرأة وغيرها. إنما الفضل فيها يعود الى هذا الكتاب ايضا، ثم لا ننسى فضل الكتاب الفرد في هذا الباب:"موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعبادة المرسلين"، لشيخ إسلام الدولة العثمانية مصطفى صبري رحمه الله.

(3) "مصطفى صادق الرافعي فارس القلم تحت راية القرآن"لمحمد رجب البيومي ص45. كتبت إحدى الجرائد العربية الصادرة في أمريكا لمصطفى صادق الرافعي قائلة: إنك لو تركت (الجملة القرآنية) والحديث الشريف لكنت الان المرجع الذي لا ينازع، ولبز مذهبك في البلاغة المذاهب كلها من قديم أو حديث (الجملة القرآنية) لأرسلان نقلا عن مجلة الزهراءج 8/1، وأدباء المهجر!! (جبران وميخائيل نعيمة والريحاني) هم من أول من أدخلوا الأسلوب التوراتي ورموزه في الأدب العربي، وكانت لهم مجلة اسمها (الفنون) يقوم عليها ثالث اسمه نسيب عريضة، ولها خبر في"سبعون"لنعيمة.

الدكتور"طه حسين" (4) حينما أراد أن يطبق مبدأ"الشك الدّيكارتي" (5) الذي زعمه على القرآن فأعلن في مبحث الشعر الجاهلي أن ورود قصة إبراهيم -عليه السلام- في القرآن ليست كافية للدّلالة على وجود رجل حقيقي اسمه"إبراهيم"، وكان باب هذا الأمر الخطير مدخله عند هذا الرجل التشكيك بالشعر الجاهلي، وأنّ هذا الشعر إنّما هو صنيعة العصور الإسلامية، ولكنهم نحلوه للجاهلين.. وبالرغم من أن ارتباط مسألة نفي الحقائق التاريخية - التي وردت في القرآن- بالدين واضحة المعالم، إلا أن نفس صحة نسبة الشعر الجاهلي لما قبل الإسلام قد تبدو ضعيفة الصلة بالمسائل الدينية ولكنها في الحقيقة من أوثق الصلات بالقرآن الكريم، ذلك لأن الشعر الجاهلي يمثل حقيقة قوة أهله في البيان والبلاغة، والقرآن الكريم تحدّى العرب في أعظم قواها وملكاتهم وهي ملكة البيان والبلاغة، فإذا تمَّ نفي الدليل على هذه القوة والملكة سقط معنى التحدي الوارد في القرآن الكريم.

طه حسين في هذا الكتاب الذي أصدره سنة1926م صرح باعتماده على مبدأ"الشك الديكارتي"في مبحثه في أصول الشعر الجاهلي، وقال فيه: إنه للوصول إلى الحقيقة لا بد أن (يتجرد الباحث من حل شيء كان يعلمه من قبل وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذِّهن ممّا قيل فيه خلوّا تامًا) ، وصرّح بأنه يجب علينا (حين نستقبل البحث عن الأدب العربي وتاريخه أن ننسى قوميتنا وكل مشخصاتنا، وأن ننسى ديننا وكلّ ما يتصل به، وأن ننسى ما يضاد هذه القومية وما يضاد هذا الدين، يجب أن لا نتقيد بشيء، ولا نذعن لشيء إلا مناهج البحث العلمي الصحيح، ذلك أنّا إذا لم ننسى قوميتنا وديننا وما يتصل بها فسنضطر إلى المحاباة وإرضاء العواطف وسنغل عقولنا بما يلائم هذه القومية وهذا الدين، وهل فعل القدماء غير هذا؟ وهل أفسد علم القدماء شيء غير هذا؟ وفي نفيه لحقيقة إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- يقول:(للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الإسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي) . (6)

إلا أن الشيء الذي كتمه ولم يعترف به أنَّ مسألة التشكيك بالشعر الجاهلي قد سرقها من المستشرق"مرجليوث". (7)

(4) كانت المعركة قد بدأت من قبل طه حسين وسلامة موسى في معركة القديم والجديد واللغة العامية، ولكنها كانت تطل ولا تبدو، وتنهر ولا تقوم، حتى اشتده أوارها في الوقت الذي ذكرناه ومن بابها حمي الوطيس على يد طه حسين، وهو الذي فتح فتوحا من الشر في أبواب متعددة منها ترجمة قصص الجنس وقصص اليونان القديمة المسرفة في الإباحية، كما ترجم شعر المنحرف (بودلير) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت