فهرس الكتاب

الصفحة 21790 من 27345

والمؤمن لا يخالف قوله فعله، ويبدأ بنفسه أولًا فيحملها على الخير والبر، قبل أن يتوجه بهما إلى غيره؛ ليكون بذلك الأسوة الحسنة، والقدوة المثلى لمن يدعوهم، وليكون لكلامه ذلك التأثير في نفوس السامعين الذين يدعوهم، بل إنه ليس بحاجة إلى كثير عندئذ، فحسْبُ الناس أن ينظروا إلي واقعه وسلوكه، ليروا فيهما الإسلام والإيمان حيًا يمشي أمامهم على الأرض، وليشعّ بنوره على من حوله، فيضيء الطريق للسالكين، وتنفتح عليه العيون ويقع في القلوب، فيحمل الناس بذلك على التأسي والاتباع.. فهو يدعو بسلوكه وواقعه قبل أن يدعو بقوله وكلامه.. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم خير أسوة، فقد كان عليه الصلاة والسلام إذا أمر الناس بأمر كان أشد الناس تمسكًا به، وكان يحمل أهل بيته على ذلك قبل أن يدعو غيرهم.

و قَالَ سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ: قُلْتُ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قُلْتُ: بَلَى قَالَتْ:' فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْقُرْآنَ'.رواه مسلم .

فمهما أمره القرآن بشيء امتثله، ومهما نهاه عنه تركه.

وهي إجابة دقيقة، وموجزة جامعة أيضًا، تحمل في طياتها كل ما يخطر على بال المرء من أخلاق الكمال وصفات العظمة، فحسبك أن يكون عليه الصلاة والسلام، ترجمة عملية حية لمبادئ القرآن الكريم، وإذا أردت أن ترى القرآن الكريم واقعًا عمليًا في حياة الناس، فانظر إلى خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وادرس سيرته بكل وعي وبقلب مفتوح على الخير، وبعزيمة صادقة، تحمل على التأسي والمتابعة.. فكل واحد منهما يدل على الآخر.

دعاوى الإيمان:

وإنها لمصيبة كبيرة، وخسارة ما بعدها خسارة، أن يتحول الإيمان والإسلام في سلوك أصحابه إلى كلمات ودعاوى، لا تتجاوز الحناجر، وأن ينطلق المسلم، يدعو غيره إلى البر والهدى والخير، ولكنه يترك نفسه بمعزل عن ذلك، ويعطيها إجازة تتمتع بها، ولا يحملها حملًا على أن تكون سبّاقة إلى هذه الدعوة والعمل بمقتضاها.

ولقد نعى الله سبحانه، على بني إسرائيل- وبخاصة أولئك الأحبار فيهم- ووبَّخهم علي سلوكهم، فهم يأمرون الناس بالبر، الذي هو جماع الخير، ولكنهم ينسون أنفسهم فلا يأتمرون بما يأمرون الناس به، مع علمهم بجزاء من قصّر في أوامره سبحانه، فقال:...وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [44] } [سورة البقرة] .

وفي ظلال هذه الآية الكريمة يتحدث الأستاذ سيد قطب رحمه الله عن آثار الدعوة إلى البر والمخالفة عنه في السلوك، فيقول:'ومع أن هذا النص القرآني كان يواجه ابتداءً حالة واقعة من بني إسرائيل فإنه في إيحائه للنفس البشرية، ولرجال الدين بصفة خاصة، دائم لا يخص قومًا دون قوم، ولا يعني جيلًا دون جيل..إن آفة رجال الدين حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا عقيدة حارة دافعة أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، يأمرون بالخير ولا يفعلونه، ويدعون إلى البر ويهملونه، ويحرفون الكلام عن مواضعه، ويؤلفون النصوص القاطعة خدمة للغرض والهوى، ويجدون فتاوى وتأويلات، قد تتفق في ظاهرها مع ظاهر النصوص، ولكنها تختلف في حقيقتها عن حقيقة الدين، لتبرير أغراض وأهواء لمن يملكون المال أو السلطان! كما كان يفعل أحبار يهود.

والدعوة إلى البر والمخالفة عنه في سلوك الداعين إليه، هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك، لا في الدعاة وحدهم، ولكن في الدعوات ذاتها، وهي تبلبل قلوب الناس وأفكارهم أنهم يسمعون قولًا جميلًا، ويشهدون فعلًا قبيحًا، فتتملكهم الحيرة بين القول والفعل، وتخبو في أرواحهم الشعلة التي توقدها العقيدة، وينطفئ في قلوبهم النور الذي يشعه الإيمان، ولا يعودون يثقون في الدين عدما فقدوا ثقتهم في رجال الدين' [ في ظلال القرآن: 1/86] .

علماء السوء:

وما أعظم ذنب أولئك الذين يصدون عن دين الله ويقفون حجرة عثرة أمام الدخول فيه

والتمسك بأحكامه ؛ لأنهم بسلوكهم ذاك ينفّرون الناس من الدين، وتنطلق الألسنة المتبجحة لتقول: انظروا إلى فلان.. إنه يدعونا إلى شيء ويخالفنا إلى غيره، ولو كان ما دعونا إليه حقًا لاتبعه وتمسك به؟ فيتركون عندئذ الدين، بسبب سلوكه ذاك!!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت