فهرس الكتاب

الصفحة 21806 من 27345

لذلك نرى أن اللغة العربية جزء لا يتجزّأ من منهاج الله ، فبغيرها لا يكون الكلام كلام الله ولا كلام رسوله، ولا هو البلاغ المبين.

ونرى كذلك أنه من واجب كل مسلم أن تكون اللغة العربيّة هي لغته الأولى بالإضافة إلى لغته القومية.

ومما يؤكد هذه الحقيقة الهامة أنه عند نقل القرآن والسنة إلى لغة أخرى غير العربية فإن المعاني لا تُسْتَوفَى كما هي مستوفاة باللغة العربية، وإن الإعجاز الذي يحمله منهاج الله والذي تحدّى به العرب والإِنس والجنّ يفقد كثيرًا من خصائصه، وإِن البيان المعجز المؤثر في النفس يختفي معظم تأثيره ولا يبقى الكلام عندئذ كلام الله، ولا القرآن قرآنًا، ولا التلاوة تلاوة. وفي اللغة العربية، وألفاظ القرآن وتعبيراته بها، ما يتعذّر نقله إلى لغة أخرى. فكلمة الولاء، وآية، الإحسان، التقوى، عَرَض هذا الأدنى، قدم صدق، وأملي لهم، إمام، عاكفين، وكلمات كثيرة، وتعبيرات قرآنية كثيرة أعجزت العرب أن يأتوا بمثلها، فأنّى للغات غير العربية.

ولّلغة العربية جمال متميّز عن سائر اللغات. إنه جمال الوضوح والدقة في المعنى، وجمال الظلال الموحاة، وسائر أبواب الجمال الذي كشف عن بعضه العلماء المسلمين في تاريخ طويل. وسيظل الجمال متجدّدًا تتفتح أبوابه مع الأيام. ولا تنطبق قواعد الجمال في اللغات الأُخرى على قواعد اللغة العربية، فلّلغة العربية جمال آسر هزّ جميع من درسها وعرفها. ولقد هزّت الأدباء والشعراء وهزّت الشعوب.

ولقد تحدّدت مصطلحاتها اللّغوية، حتى تستقرَّ أحكام الإِسلام وتشريعه على قواعد راسخة، وحتى تستوفي اللغة أسباب الوضوع والدقة والجمال. ولقد استقرّ مفهوم النثر ومفهوم الشعر، حتى لا يختلط الكلام، وحتى يتمايز كلام الله، وحتى تستقيم المعاني.

لذلك نرى أن اللغة العربية هي اللغة الأُولى للأدب الملتزم بالإسلام، الأدب الذي يريد أن يرقى من مراتب الجمال إلى مراتبه العالية.

ونرى أن اللغة العربيّة هي اللغة الرسمية للأمة المسلمة كلها، يخطئ من يستبدل بها غيرها، وأن واجب الأمة المسلمة وعلمائها ودعاتها وقادتها أن يبذلوا غاية جهدهم في هذا السبيل، فإنها عهد وأمانة.

ولقد تعهَّد الله سبحانه وتعالى بحفظ الذكر الذي أنزله على رسوله ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم وهذا يعني أنه تعهَّد بحفظ دينه و قرآنه وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم، واللغة العربية التي هي وعاء الذكر كله وبيانه ومادته:

( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون )

[ الحجر: 9 ]

ولكنه ابتلاء من الله سبحانه وتعالى ليمحّص عباده المؤمنين، وليرى من يوفي بالعهد والأمانة، ومن ينهض للغة دينه و قرآنه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن يتوانى أو يدبر، ويمضي الابتلاء على سنن لله ماضية، وحكمة بالغة وقدر وغالب.

ولن يستطيع الناس أبدًا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، ويمضي هذا التحدّي مع الدهر:

( قل لئن اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا )

[ الإسراء: 88 ]

وكذلك:

( أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين )

[ هود: 13 ]

وكذلك:

( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين )

[ البقرة: 23 ]

وأمام هذا التحدّي:

( فإن لَم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون )

[ هود: 14 ]

فليمض المسلمون إلى نصرة ربهم ونصرة دينهم واللغة التي اختارها الله لدينه، فليمضوا وهم مطمئنون إلى أن الله ناصر دينه ولغة دينه، وأنهم مبتلون. فليسعوا إلى النجاة في الدنيا والفوز في الآخرة. والحمد لله رب العالمين.

(1) أحمد زكي صفوت: جمهرة خطب العرب: ( ج: 1 ) ، ( ص: 154 ) .

(2) المرجع السابق: ( ص: 157 ) .

(3) صحيح الجامع الصغير وزيادته: 1/350/1069.

(4) الفتح الرباني: 22/41/732.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت