فهرس الكتاب

الصفحة 21827 من 27345

وكيف يسوي الله سبحانه وتعالى وهو الملك الحكيم بين من قام بأمره وعبده وحده لا شريك له، وكان من أهل الإيمان والعمل الصالح، وبين الكفار الفجار الأشرار الذين خالفوا أمره، وكذبوا رسله، وعاندوا واستكبروا: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين* مالكم كيف تحكمون} .

والدرجة الثانية من الكفار من آمن بوجود الرب، وشك في حكمته في الخلق، ولم يعبد الله وحده كما أمره، واتخذ لنفسه معبودًا سواه، أو معبودًا مع الله. وهؤلاء الذين سووا بين الله وخلقه في الصفات أو الذات، أو الحقوق هم كفا مشركون {والذين كفروا بربهم يعدلون} .

الأدلة على أن الإسلام وحده هو طريق الرب:

والأدلة السابقة جميعها يمكن لعاقل أن يتوصل إليها بعقله وفطرته وبيان ذلك أنه لا يمكن لعاقل أن يدفعأو يماري في أنه مخلوق صغير في كون كبير، وأن هذا الكون في غاية الاحكام والإبداع، وأن كل جزء من هذا الكون مرتبط بغيره ارتباطًا وثيقًا وأنه لا بد وأن يكون لهذا الكون صانع عظيم عليم قوي قاهر.. وأنه لا بد وأن يكون حكيمًا ويستحيل أن يكون قد خلق خلقه بغير هدف ولا غاية، وأنه لا بد وأن يكون هناك جزاء في نهاية المطاف، وأن يقام حكم يقتص فيه للمظلوم من الظالم، ويلقى المحسن والمسيء كل جزاءه، لأنه لو لم يكن كذلك لكان الظالم القاهر الباغي العابث المفسد لهواه هو العاقل في هذه الحياة، ولكان التقى البار العفيف الذي يؤدي الحقوق ويمتنع عن الحرام هو الغبي الجاهل... فما دام أنه لا توجد حياة بعد الموت وحكومة في الآخرة، ولا يجازي أحد بما عمل فإنه يكون من السذاجة والجهل الانصراف عن الملاذ، وتحقيق الشهوات وحيازة الخيرات، والعب من كأس الحياة حتى الثمالة، والاستمتاع بمباهج الحياة إلى النهاية، ولو أدى ذلك إلى ظلم العباد ونشر الفساد.

وعلى هذا الأساس يكون الذي خلق هذه الحياة، ونصب هذه السموات،ووضع هذه الأرض، وخلق الإنسان يخلف جيل منه آخر، قد خلق خلقه عبثًا ولعبًا، وظلمًا ونكدًا تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} ؟!

وقال تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون} وهذه الحقائق حقائق عقلية فطرية لا يحتاج الناس فيها إلى الوحي لمعرفتها لأنها من الضرورات العقلية، ولكن لأن الأبصار تعمى، والفطرة تنطمس بالتعليم المنحرف ولذلك أرسل الله الرسل من أجل بيانها والتذكير بها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه] ..

وهنا نصل إلى السؤال الآتي؟ وما الدليل على أن خالق هذا الكون سبحانه وتعالى قد اختار رسلًا بأعيانهم، وبعبارة أخرى ماذا يدلنا أن هذا الذي يدعي الرسالة هو رسول الله حقًا وصدقًا.

والجواب: من حيث دلالة العقل فإنه لا بد لخالق هذا الكون أن يعرف مخلوقاته بذاته العلية، وأن يخبرهم عن نفسه جل وعلا ولماذا خلقهم؟ وفيم أقامهم؟ لأنه سبحانه وتعالى لو لم يفعل ذلك لكان هؤلاء الخلق في عماية عن حقيقة أمرهم، وأصل منشئهم، وصفة خالقهم؟ وماذا يريد من إيجادهم؟ لأن هذا الكون من الاتساع والشمول بحيث لا تحيط به أبصارهم ولا تصل إلى نهايته أقدامهم ومراكبهم؟ وهو كذلك من الدقة والأحكام وخفاء الأسرار بما لا يستطيعون إدراك كنهه. هذا مع قصر أعمارهم، وقلة علومهم، والبشر مع تراكم علومهم جيلًا بعد جيل لم يكتشفوا كثيرًا من القوي المذخورة في الكون إلا قريبًا، فلم يعرفوا الكهرباء مثلًا إلا مؤخرًا، ولليوم لا يعرفون حقيقة الذرات التي بنى منها الكون، ولا يعرفون دقائق الخلق في أنفسهم فما زال جسم الإنسان نفسه في كثير من أحواله ووظائفه ودقائقه مجهولًا مع تقدم آلات الإنسان ووسائله وعلومه، وما زال سر الحياة في الإنسان وهو روحه لا يعلم الإنسان عنها إلا قليلًا: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا} .

وهناك عوالم كثيرة خفية تتحكم في حياة الإنسان نفعًا وضرًا وهو لا يستطيع أن يراها ولا أن يحيط علمًا بها، فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يعرف حقيقة ما يحسه ويراه، فأنى له أن يعرف ما غاب عنه، ولا سبيل له للوصول إليه؟

ومن أجل ذلك فإن الله سبحانه وتعالى قد تكفل بأن يعلم الإنسان منذ آدم لماذا خلقه، والمهمة المناطة به، ويعلمه بدايته ونهايته، والعوالم المحيطة به، وما الذي عليه أن يأخذه، وما الذي عليه أن يدعه؟ قال تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها} .

وقال تعالى: {وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدًا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت