ولهذا فإن منطق العقل السليم أن يحكم بالانتصار لمن كانت عنده القوة والأسباب المادية ولو كان مضيعًا للأسباب المعنوية على الذي ضيع أسبابه المادية والمعنوية التي تحق النصر والتأييد؛ ولذلك انتصر الكفار أعداء الله على المسلمين الذين ضيعوا أوامر الله فنساهم سبحانه وضيعهم وقد روت لنا كتب التاريخ أنه في أعقاب معركة اليرموك الشهيرة ،وقف ملك الروم يسائل فلول جيشه المهزوم ، والمرارة تعتصر في قلبه ، والغيظ يملأ صدره ، والكآبة بادية على محياه( ويلكم أخبروني عن هؤلاء الذين يقاتلونكم ، أليسوا بشرًا مثلكم ؟ ! قالوا: بلى أيها الملك ، قال: فأنتم أكثر أم هم ؟! قالوا:نحن أكثر منهم في كل موطن، قال: فما بالكم إذا تنهزمون ؟!
فأجابه شيخ من عظمائهم:إنهم يهزموننا لأنهم يقومون الليل ويصومون النهار،ويوفون بالعهد،ويتناصفون بينهم) البداية والنهاية ( 7/15)
تلك هي صفات المسلمين؛ولذلك نصرهم الله ولاحت أمام أعينهم أقواس العزة والرفعة في سماء المجد .
فقم بالله أخي لنصرة دينك وأصلح ذاتك فصلاح الذات قبل صلاح الذوات، ومن قاد نفسه قادم العالم، وردِّد:
قم نعد عدل الهداة الراشدين *** قم نصل مجد الأباة الفاتحين
قم نفك القيد قد آن الأوان *** شقي الناس بدنيا دون دين
فلنعدها رحمة للعالمين *** لا تقل كيف ؟ فإنا مسلمون
يا أخا الإسلام في كل مكان *** اصعد الربوة واهتف بالآذان
وارفع المصحف دستور الزمان *** واملأ الآفاق إنا مسلمون
مسلمون مسلمون مسلمون *** حيث كان الحق والعدل نكون
نرتضي الموت ونأبى أن نهون *** في سبيل الله ما أحلى المنون
هذا هو الدواء لمن وقع في فخ الداء:
والذي أراه يحقق لنا النصر ويعز به هذا الدين بعد التوبة إلى الله أمور ثمانية وهي:
1ـ الاعتصام بكتاب الله تعالى وقراءته وتدبره والعمل بما فيه ، والاعتصام بسنة محمد صلى الله عليه وسلم وأن نقدم كلامهما على كلام أي إنسان، ونبتعد عن كل هوى خالف القرآن والسنة .
2ـ الاهتمام والالتفاف على عقيدة أهل السنة والجماعة،وتطبيقها في أرض الواقع،واحذر أخي ممن يثبط عن تعلم العقيدة،أو يجعل تعلمها في مراحل متأخرة فإنه رجل سوء فلا تجالسه.
3ـ الإعداد البدني والإيماني،والجهاد في سبيل الله،فإن الجهاد ينبوع العزة،ومعين الكرامة،وهوالمجد لمن أراد المجد،والعزَّ لمن أراد العز، و (من مات ولم يغز ولم يحدث بها نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق) كما أخبر الصادق المصدوق ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال الإمام ابن تيمية (فإذا ترك العبد ما يقدر عليه من الجهاد كان دليلًا على ضعف محبة الله ورسوله في قلبه) مجموع الفتاوى (10/193)
4ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والغضب لدين الله - عز وجل - وهذا أمر فرضه الله عز وجل علينا فقال: (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر ) ) (آل عمران: من الآية110)
5ـ الدعوة إلى الله عز وجل وإلى كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى: (( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ) (النحل:125) وقال تعالى: (( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) ) (يوسف: 108)
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ (فمقام الدعوة إلى الله أفضل مقامات العبد) (مفتاح دار السعادة 1/153) ورحم الله من قال:
إن نفسًا ترتضي الإسلام دينًا
ثم ترضى بعده أن تستكينا
أو ترى الإسلام في أرض مهينًا
ثم تهوى العيش نفس لن تكونا
في عداد المسلمين العظماء
(المنطلق للراشد ص 227)
6ـ الالتفاف على جماعة المسلمين الصادقة ولزوم غرزهم، وعلى رأسهم العلماء الربانيون والمجاهدون الصادقون،والدعاة المخلصون، فيجب الحذر من التكلم في أعراضهم أو سبهم وليعلم أن من تكلم فيهم فإنه قد شق الصف ولم يوحده وفرق الجماعة والقلوب .
وقد أورد مسلم في صحيحه في كتاب الجهاد حديث ثوبان رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ) وكذا حديث عقبة بن عامرـ رضي الله عنه ـ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم ، لا يضرهم من خالفهم ، حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك)