فهرس الكتاب

الصفحة 21872 من 27345

وقد أخبرنا القرآن و هو أصدق الحديث أن هذه العداوة الدينية وجدت بين كل أتباع دين سماوي و بين من كفر برسالات الله ، فما أن يبدأ أي رسول بتبليغ رسالته ( عليهم الصلاة والسلام) ، حتى يؤمن القليل من قومه ويكفر الكثير ، و تكون القوة المادية في جانب الكفرة ، و قوة الحق في جانب المؤمنين ، و لا يتوقف الكفرة عند كفرهم ، بل يضيفون إليه الصد عن الإيمان ، و يسومون المؤمنين سوء العذاب و الاضطهاد ، و يستخدمون كل ما أمكنهم لإطفاء نور الله ، فقد أحرقوا المؤمنين بالنار ( وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) سورة البروج ، و خرج فرعون بجيشه العرمرم ليبطش بسيدنا موسى (عليه السلام) وقومه المستضعفين ، و تم تهديد سيدنا شعيب (عليه السلام) بالطرد من البلدة إن لم يعد في ملة الكفر سورة الأعراف 87 ، و توعد الكفرة سيدنا نوح ( عليه السلام) بالإعدام رجما بالحجارة إن لم يتوقف عن دعوته بعدما اتهموه بالجنون سورة الشعراء 116، وسورة القمر 9 . كما ألقوا بسيدنا إبراهيم الخليل (عليه السلام) في النار للتخلص منه ومن دعوته و انتصارا منهم لأصنامهم سورة الأنبياء 67 ، و قام الكفرة برسالة المسيح (عليه السلام) بقذف السيدة مريم العذراء (عليها السلام) ومباشرة إعدام السيد المسيح لولا أن أنجاه الله تعالى من كيدهم ، و لا يخفى على مسلم ما لاقاه سيد الخلق أجمعين وصحبه من عداوة الكفرة وما نتج عنها من تعذيب وقهر وقتل لبعض أتباعه ، ثم توجوا محاربتهم بمحاولة اغتياله عليه الصلاة والسلام وعلى آله و صحبه ، و لكن الله نجاه من مكرهم وخرج مهاجرا إلى المدينة المنورة ، كما أن اليهود قبل إجلائهم عن المدينة المنورة بادروا بالحرب الإعلامية عن طريق نشر الشعر الذي يهجوا الإسلام و أهله ، و بادروا بالحرب الثقافية عن طريق طرح الأسئلة بغرض إحراج الرسول الكريم ، و بادروا بالحرب النفسية عن طريق النفاق ( و قالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار و اكفروا آخره لعلهم يرجعون ) سورة آل عمران 72، ناهيك عن تحالفهم و تآمرهم العلني مع كفار قريش في غزوة الأحزاب ، ومن خلال ما سبق يتبين أن الكفرة بالدين السماوي يبادرون بالعداوة و البغضاء للرسل و أتباعهم ، علما بأن أي دين سماوي لا يجبر أحدا على اعتناقه (لا إكراه في الدين ) سورة البقرة 254 ، و علما بأن مهمة الرسل تنحصر بداية في التبليغ السلمي و النصح والإرشاد و الحوار بالتي هي أحسن ، و الدعوة إلى الحق و الفضيلة بالحجة والبراهين ، ثم يحذر الناس وينذرهم سوء العواقب إذا استمروا على عمل السيئات وفساد المعتقدات ، و لكن الكفرة عموما لا يعترفون بالحق ، و لا يرغبون في فضيلة ، و لا يسعون لوقاية أنفسهم من غضب الله وعقابه ، و بالجملة فهم رافضون و معارضون لدعوة الرسل ، و يريدون أن يعيشوا حياتهم كما يحلو لهم بلا حسيب و لا رقيب و أن يعبدوا ما شاءوا و يفعلوا ما أحبوا و اعتادوا ، ويعلنون صراحة أنهم في غنى كامل عن منهج الله ، و ما هؤلاء الرسل في نظرهم إلا سفهاء أو مجانين أو ساحرين أو مسحورين أو كاذبين أو كهنة و عرافين أو شعراء أو طالبي شهرة أو طامعين في الحكم والرياسة ، وما أتباعهم إلا أراذل الناس وفقرائهم لا عقل لهم و لا تمييز ، و ما تلك المعجزات للرسل في نظر الكفرة إلا سحر و دجل و خداع و شعوذة ، و ما الدين عندهم إلا أساطير الأولين ، فالكفرة بهذا كله يريدون علو كلمتهم ، و استبقاء سلطتهم ، والمحافظة على مصالحهم الشخصية ، و التمتع بكل ما يريدون من متع و ملذات ، و بما أنهم لا يملكون أي حجة أو دليل على صحة أقوالهم أو مطالبهم ، فإنهم يشعرون بالخطر المقبل عليهم وعلى مصالحهم إذا انتشرت دعوة الرسل ، و لذا يبادرون بالهجوم على الدين السماوي ، مستعملين في ذلك كل ما عندهم من القوى المادية من أنفس و أموال ، و أقوال و أفعال و خيل ورجال، لقد أعلنوا الحرب من طرف واحد ضد الدين ، و أباحوا لأنفسهم فعل أي شيء ممكن للقضاء عليه ، وقد ذكرنا أمثلة واضحة على أفاعيلهم الشنيعة بحق الرسل وأتباعهم ، وللدلالة على انعدام المنطق السليم و الحجج الصحيحة فهم يبررون حربهم الظالمة بأنهم يحافظون على تراث الآباء و الأجداد و عاداتهم ( سورة الزخرف) 21- 22 . وهم بذلك يعلنون جمودهم الفكري و الاجتماعي ، و عدم الاحتكام إلى العقل ، و عدم الرغبة في النقد الذاتي ، و هذه كلها من صفات المجتمع المتخلف ، وقد يبررون حربهم الأثيمة ضد الدين بأن أوضاعهم المعيشية ممتازة و مستقرة و قد وصلوا إلى حد بحبوحة العيش بفضل نظام حياتهم الذي يعيشون به ، فهم يريدون البقاء على ما هم عليه و لا حاجة لهم بمنهج الله الذي يأمر بالعدل و الحق والفضيلة ، وتحقيق الأمن و الطمأنينة و المحبة و السلام بين جميع الناس وليس بين النخبة فقط (سورة هود 87 ) و قد اغتروا و استكبروا عن قبول الحق حتى قالوا (نحن أكثر أموالا و أولادا و

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت