إن قدسته أو سبحته أو مجدته فهو الذي علمني . إن حمدته أو كبرته أو وحدته فهو الذي ألهمني . إن عبدته أو شكرته أو ذكرته فهو الذي أكرمني .
صفات المدح في الكاملين ذرة من كماله ، ونعوت الفضل في الأبرار نفحة من أفضاله ، ألسنة المادحين وأقلام الواصفين حائرة في جلاله ، من أنا حتى أمدحه ؟ من أنا حتى أمجده ؟ من أنا حتى أثني عليه أنا الذي خلق من تراب أصف الملك الوهاب ؟ أنا الذي صور من طين أذكر جلال العالمين ؟
إن الخجل يملأ فؤاد من خلق من ماء مهين ، إذا قام يشدو بأوصاف أحكم الحاكمين ، اللهم إن أشرف تاج أحمله تمريغ أنفي على التراب لجلالك ، اللهم إن أعظم وسام أحمله وضع جبهتي على الأرض لعبوديتك .
أنا الظالم لنفسه المعترف بتقصيره ، المقر بذنبه ، وأنت الجواد الماجد الغني الحميد ، عز جاهك ، وجل ثناؤك وتقدست أسماؤك . ولا إله غيرك .
قد كنت أشفق من دمعي على بصري
فاليوم كل عزيز بعدكم هانا
يا الله سجد وجهي لك ، يا الله خشع سمعي وبصري لك ، يا الله رغم أنفي لك ، يا الله ذلت رقبتي لك ، يا الله وجل قلبي منك ، يا الله اتجهت نفسي اليك ، يا الله حسن ظني فيك ، يا الله طاب الحديث عنك ، يا الله كمل التوكل عليك .
اليك وإلا لا تشد الركائب
ومنك وإلا فالمؤمل خائب
وفيك وإلا فالغرام مضيع
وعنك وإلا فالمحدث كاذب
فقد وقفت عشرا ، واستفدت عشرا .
استفدت عشرا:
أولها: اللجوء إلى الله في الملمات ، وقصده في الكربات ، وسؤاله في الأزمات .
ثانيها: أن مع العسر يسرا ، ومع الكرب فرجا ، ومع الضيق سعة ،وبعد الشدة رخاء
ثالثها: أنه ليس لك في المصاعب إلا الله ، وما لك عند الدواهي إلا الله . وما معك في الخطوب إلا الله (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ) .
رابعها: أن العلماء يصيبون ويخطئون ، والدعاة يحسنون ويغلطون ، والمصلحون يسددون ويعثرون إلا محمدا صلى الله عليه وسلم فهو المصيب بلا خطأ ، والمسدد بلا غلط ، والمصلح بلا عثرة (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) ( النجم:3 ـ 4) .
خامسها: أن الكتب تعرف منها وتنكر ، وتقبل وترد وتوافق وتخالف ، إلا الوحي كتابا وسنة ، ففيه الصحة كلها ، والصواب أجمعه ، والحق أتمه وأكمله ، والعدل أوله وأخره.
سادسها: أنه ليس لأحد أن يدعي أنه المخول وحده لنصر الدين ، ولا التكلم باسمه ، فدين الله منصور ، شاء من شاء ، وأبي من أبي ( فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ) ( الأنعام: 89 ) . نصره محمد العربي ، وسلمان الفارسي ، وصهيب الرومي ، وبلال الحبشي ، وصلاح الدين الكردي ، ونور الدين التركماني ، وإقبال الهندي .
سابعها: أن الرفق هو الطريق الأمثل للدعوة . وأن الكلمة اللينة هي السحر الحلال ، وأن الأسلوب السهل هو مصيدة الرجال .
ثامنها: أن غالب محاضرات الدعاة وندوات العلماء حسن وصواب ، وحق وعدل ، والقليل النادر غلط وخطأ ، لعنصر البشرية ، وضعف الإنسانية ، وانتفاء العصمة ، وانقطاع الوحي .
تاسعها: وجدت أن الأمة لا يشفي عليلها ولا يروي غليلها مقطوعة من فنان ، ولا طرح من علماني ، ولا هيام من شاعر ، ولا خيال من فيلسوف ، إنما يحييها ، ويرفعها ، ميراث من نبوة ، وتركه من رسالة ، وأثارة من وحي: (َ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ) (الرعد: من الآية17) .
عاشرها: وجدت أن الأمة قد تكون غير منتجة ، ولا مخترعة ، ولا منكشفة ، ولا مصنعة ، ولكنها لا تعيش بلا إيمان ، ولا تحيا بلا رسالة ، ولا تشرف بلا منهج: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ) (الأنعام: من الآية122) .
تلك عشرة كاملة . . أهديها لمحبي النصح ، وعشاق الفضيلة ، وطلاب الحقيقة ، وشداة الإصلاح ، ورواد المعرفة: (ِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عليه تَوَكَّلْتُ وَإليه أُنِيبُ) (هود: 88) .
دعها كما شاءها الرحمن جارية
الله يحفظها والله يرعاها
لها من الوحي نور تستضئ به
وبهجة الغار تبدو في محياها
فهذه عشر سنوات طويلات قصيرات ، فيها حسنات وسيئات ، ومضحكات ومبكيات ، مرت بسرورها وحزنها ، ونعيمها وبؤسها ، وغناها وفقرها ، ولذتها ومعاناتها .
مرت سنون بالسعود وبالهنا
فكأنها من قصرها أيام
ثم انثنت أيام هجر بعدها
فكأنها من طولها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها
فكأنها وكأنهم أحلام !
انتهت هذه العشر عندنا ، لكن ما انتهت عند الله (َ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى) (طه: 52) .