فهرس الكتاب

الصفحة 22154 من 27345

إعلان مدوٍّ يملأ الكون ! إعلان فاصل حاسم نافٍ لكلّ ريبة أو شك:"الحق من ربك"إنه من عند الله فمن يجرؤ أن يمتري أو يشك فيه غير المنافقين والمشركين . وتصبح القضيَّة في نهاية المطاف إذا أصرَّ كلّ طرف على موقفه ، وهما موقفان متناقضان ، ليس بينهما نقطة لقاء ، أنَّ أحد الطرفين هو الصادق والآخر الكاذب ، فكانت نهاية الحوار بأمر من الله الدعاء باللعنة على الكاذبين ! نزل الوحي الكريم على رسول الله r يأمره بذلك فانسحب وفد نجران من هذا"الحوار"، يرومون النجاة ! موقف مفاصلة وحسم ، وموقف تبليغ رسالة الله كما أُنزلت . لم يحمل الحوار أي ساحة للمساومات والتقريب بين الحق والباطل . ثمَّ يفصل سبحانه وتعالى الأمر بأن هذا هو القصص الحق ، وأنه لا إله إلا الله وحده، وأن الله هو العزيز الحكيم . هذه القضية التي كانت موضع الحوار:

( إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ )

ثمَّ تمضي الآيات الكريمة لتوجّه الخطاب ، ليس إلى نصارى نجران فحسب ، وإنما إلى أهل الكتاب كلهم على مرّ الزمن كله ، لتفصل القضيّة ذاتها كما فصَّلها مع نصارى نجران:

( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) [ آل عمران: 64]

القضية المطروحة للحوار هي نفس القضيّة السابقة:

( .... أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ...)

ويكاد يكون الأُسلوب واحدًا:"تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ..."فهي دعوة جليَّة حاسمة ، دعوة إلى الله الواحد الذي لا إله إلا هو ، لتكون هذه القضيّة متساوية بيننا وبينكم ، نؤمن بها حقًا من عند الله وتؤمنون بها ، فتكون بذلك كلمة سواء ، نستوي نحن وأنتم بالإيمان بها ، فآمنوا حتى تستوي الكلمة بيننا، لأن هذه هي نقطة الخلاف الرئيسة وبغير تسويتها لا يتم لقاء .

هذه القضية هي قضيّة الخلاف الذي يدور عليها الحوار . إنها ليست نقطة لقاء كما توهَّم بعضهم ، وظنَّ أنها هي التي نلتقي بها اليوم مع النصارى واليهود، وأنَّى ذلك ؟! فإن كانت هي نقطة الاتفاق واللقاء ، فلماذا ندعوهم إليها ، ونقول لهم:"تعالوا إلى كلمة سواء ؟!"ولماذا لم يقبلوا بها من محمد r ، ورفضوها وأَبَوْها وتولّوْا وأدبروا ؟! فهل يقبلونها اليوم ؟!

فما هو الموقف إن لم يقبلوا بهذا التوحيد الصافي البعيد عن التثليث وأمثاله؟! الموقف جليّ واضح أمر من عند الله:

( .... فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ )

نعم ! تولوا ! فنعلن بصورة حاسمة فاصلة:"بأنَّا مسلمون"ولا شيء غير ذلك .

وهكذا انتهى الحوار أيام محمد r: دعوة وتبليغ ، وحجة ووحي ، ثبات الدعوة الإسلامية على مفاصلتها ووضوحها ، وإدبار أهل الكتاب .

فهل يمكن أن ينتهي الحوار اليوم على صورة أخرى إلا أن يكون هنالك تنازل ؟! وأين هو الحوار وأهل الكتاب يعملون كل وسائل التدمير والفتك بأرواح مئات الألوف من المسلمين في جميع أنحاء الأرض ؟! وأين هو الحوار ، والتاريخ يحمل أبشع جرائم أهل الكتاب بالمسلمين في الأندلس والحروب الصليبية والهند وشمال أفريقيا ووسطها وفي كل دار من دور الإسلام .

أين الحوار ؟! والمسلمون مستضعفون بين هزائم وفتن وهوان ؟! الحوار يحتاج إلى نفسية قويَّة وقضية حق ، وبلاغ فاصل حاسم ! إنه ليس باب مجاملات ومساومات وتنازلات !

الحوار في مفهوم الإسلام وسيلة للدعوة والبلاغ . إنه يبتدئ بإعلان الحق للقضية ، بإعلان القضيَّة بصورتها التي تمثَّل الحق ، ثمَّ يعرضها مع البيَّنة والحجَّة ، ثمَّ يتلقَّى الإجابة من الطرف الآخر بالقبول أو الرفض . ويمكن معاودة الإعلان والعرض ، وزيادة الحجج والأدلة حتى يتيسَّر طريق الإقناع ، وحتى يعذر المسلم نفسه بين يدي الله يوم القيامة ، وحتى تقوم الحجة على الضالين في الدنيا والآخرة . ثم ينتهي الحوار بإعلان الموقف الفاصل الحاسم:

( ... فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ )

( ... فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ )

الحوار بالنسبة للدين يختلف عن الحوار في قضايا التجارة ومصالح الدنيا . قضايا الدين قضايا حق تقرَّر مصير الإنسان في الدنيا والآخرة . إنها كلها تحمل الحقيقة الكبرى في الكون ، تحمل أكبر وأخطر قضيَّة في حياة كل إنسان ، وأكبر قضيَّة وأخطرها في الكون كله ، دونها أي حقائق جزئية أخرى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت