إنه حركة محكومة بقوله تعالى: {وَأَنْفِقوا في سَبيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقوا بِأَيْديكُمْ إِلى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنينَ} ، {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ} ، {وَأَعِدّوا لَهُمْ ما اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وآخَرينَ مِنْ دونِهِمْ لا تَعْلَمونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقوا مِنْ شَيْءٍ في سَبيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمونَ} .
وأخيرا: فهي بهذا حركة مشمولة برعاية الله وتوفيقه لا محالة، يقول الله تعالى: {والَّذينَ جاهَدوا فينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنينَ} .
9)خسرنا إذ أسقطنا الجهاد أو أسقطنا شروطه؛ خسرنا خصال المجاهد التي ترقى به ليكون عضوا صالحا في المجتمع كما ترقى به ليكون أهلا للنصر:
ذكر الإمام أبو الليث السمرقندي بسنده عن عوف بن مالك الأشجعي مجموعة من الخصال المستخلصة من ثوابت الشريعة وصحيح السنة وأحكام الفقه؛ قال: (من أراد أن يكون غازيا حقا مجاهدا في سبيل الله فليحافظ على عشر خصال: أولها: ألا يخرج إلا برضا الوالدين، والثاني: أن يؤدي أمانة الله في عنقه من الصلاة والزكاة والحج والكفارات. ثم يؤدي أمانات الناس التي في عنقه من المظالم والغيبة وقول الزور. والثالث: أن يدع لأهله من النفقة ما يكفيهم قدر إقامته. والرابع: أن تكون نفقته من كسب حلال، فإن الله تعالى لا يقبل إلا الطيب. والخامس: أن يسمع ويطيع لأميره. والسادس: أن يؤدي حق رفيقه ويتبسم في وجهه كلما لقيه، وينفق أكثر مما هو ينفق، ويمرضه ويقوم بحوائجه. والسابع: ألا يؤذي في طريقه مسلما ولا معاهدا. والثامن: ألا يفر من الزحف. والتاسع: ألا يغل من المغانم. والعاشر: أن يريد بغزوه إعزاز الدين ونصرة المؤمنين) .
وختاما:
فإن عبرة تاريخنا تقول: إن هذا الدين - رجوعا إلى ثوابته ورجوعا إلى تجاربه - يسفر عن كونه"دين الجهاد"، بمعنى أن توطن المسلمين فيه مرهون بجهادهم هذا هو قدرهم، وهذا هو نظامه، وكل من يطلب هذا الدين خارج هذا السياق يجد نفسه خارج ذاته، ثم يجد نفسه داخل أسوار الرقيق إن لم يلحقه الحظ ليكون داخل أمعاء الذئاب: {خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين} .
ولقد علم العدو منا ذلك، ولهذا كان عداؤهم للجهاد في الإسلام لا يعادله عداء، فأي خسارة خسرناها إذن عندما جاريناهم أمس بإسقاط الجهاد في ساحة القتال، وأي خسارة سوف نخسرها غدا عندما نواصل محوه من مؤسسات العبادة والتربية والإعلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله.