فهرس الكتاب

الصفحة 22356 من 27345

وحين كان لعبد الله بن الزبير ما كان دخل على أمه أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهم- فقال: يا أُمَّه، خذلني الناس حتى أهلي وولدي، ولم يبق معي إلا اليسير ممن لا دفع له أكثر من صبر ساعة من نهار، وقد أعطاني القوم ما أردت من الدنيا، فما رأيك. فقالت: الله الله يا بني ، إن كنت تعلم أنك على حق كنت تدعو إليه فامض عليه، ولا تمكن من رقبتك غلمان بني أُمية فيلعبوا بك، وإن كنت أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك ومن معك، وإن كنت قلت أنك على حق فلما ضعف أصحابي ضعفت فليس هذا فعل الأحرار ولا من فيه خير، كم خلودك في الدنيا ؟ القتل أحسن مايقع بك، يابن الزبير، والله لضربة سيف في عز أحب إليّ من ضربة سوط في ذل . فقال: يا أماه ، أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثّلوا بي ويصلبوني . فقالت: يا بني إن الشاة لا يضرها السلخ بعد الذبح ، فامض على بصيرتك واستعن بالله .

وحين قُتل رضي الله عنه دخل ابن عمر المسجد فأبصره مطروحا قبل أن يصلب فقيل له: هذه أسماء، فمال إليها، وعزّاها، وقال: إن هذه الجثث ليست بشيء، إن الأرواح عند الله -عز وجل-. فقالت له أسماء -رضي الله عنها-: وما يمنعني وقد أُهدي رأس يحيى إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل.

وحينما دخل عليها الحجاج بعد قتل ابنها فقال: يا أمه إن أمير المؤمنين وصاني لك ، هل لك من حاجة . قالت: لست لك بأم ، ولكني أم المصلوب على الثنية ، ومالي من حاجة، ولكني أحدثك: إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:"يخرج من بني ثقيف كذّاب ومبير"فأما الكذاب فقد رأيناه - تعني المختار- وأما المبير فأنت . فقال لها: مبير المنافقين .

وفي رواية عن يعلى التيمي قال: دخلت مكة بعد قتل ابن الزبير بثلاث وهو مصلوب، فجاءت أمه عجوز عمياء طويلة، فقالت للحجاج: أما آن للراكب أن ينزل . قال: المنافق ؟. قالت: والله ما كان منافقًا ، كان صوّامًا قوّامًا برًّا . قال: انصرفي يا عجوز فقد خرفتي . قالت: لا والله ما خرفت منذ سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:"يخرج من بني ثقيف كذّاب و مبير ..."الحديث .

إن تلك الروح التي كانت لدى أسماء -رضي الله عنها-هي التي زرعت الاستبسال والشجاعة في ابن الزبير -رضي الله عنهما- ، ويحتاج المصلحون -الذين يضحون بأنفسهم ودنياهم ثمنًا لعقيدتهم ودعوتهم- إلى مثل هذه الأم التي تدفعهم إلى ميدان البطولة والاستشهاد، وتحمّل ما يصيبهم من الجهر بكلمة الحق ، وبعيدًا عن تلك الأم التي تخذّل وتخاف على ابنها من مصائب الدنيا .

و هاهي هند بنت عتبة -رضي الله عنها- أم معاوية بن أبي سفيان ، الذي كان يفتخر بها ويقول: أنا ابن هند .

ومن النساء اللاتي سطر لهن التاريخ صفحة سامقة عالية في ميدان الأمومة لأولئك الرجال الصادقين: أم عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية -رضي الله عنها- وهي أم عبد الله بن زيد الأنصاري الذي وصف حديث وضوء النبي -صلى الله عليه و سلم- ورُوي أنه قتل مسيلمة . وأم خبيب الذي قابل مسيلمة في القصة المشهورة فقطع مسيلمة -عليه من الله ما يستحق- أعضاءه، وهو يرفض أن يجيبه إلى ما يريد. و لها مواقف مشهورة مشهودة في التاريخ لايسعنا ذكرها في هذه العجالة .

و أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الحطاب -رضي الله عنهم- وهي أم عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- وقد كان لها دورٌ عظيم في تربيته و إصلاحه.

وأمير المؤمنين في الأندلس عبد الرحمن الناصر -الذي حكم خمسين سنة وستة أشهر، ووطئت أقدام جيوشه بلاد فرنسا وأسبانيا وإيطاليا، وأزعج أوربا- قُتل والده وله في بطن أمه واحد وعشرون يومًا، فانفردت أمه بتربيته فكان من نتاجها.

وفي ميدان العلم والفقه كان للأم دورٌ بارز في إعداد الرجال .

فهذا سفيان الثوري -رحمه الله- الإمام المحدث الذي قال فيه الأوزاعي: لم يبق من تجتمع عليه الأمة بالرضى إلا سفيان الثوري . لقد كان سفيان ثمرة أم صالحة، كما روى الإمام أحمد بسنده عن وكيع قال: قالت أم سفيان لسفيان: يا بني اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي -أي: تكفيه نفقته وشؤون حياته حتى يتفرغ للعلم-، وقالت له توصيه: يا بني إذا كتبت عشرة أحرف فلم تر في نفسك زيادة في خشيتك وحلمك ووقارك فإنها تضرك ولا تنفعك .

والإمام الفقيه الثبت إمام أهل الشام و فقيههم عمر الأوزاعي -رحمه الله- الذي قال فيه بقية: إنا لنمتحن الناس بالأوزاعي فمن ذكره بخير عرفنا أنه صاحب سنة ؛ كان يتيمًا فقيرًا في حجر أمه تنقله من بلد إلى بلد حتى تعلم، ونال مرتبة الإمامة والفقه .

والإمام مالك قال لأمه: أذهب فأكتب العلم ؟ قالت: فالبس ثياب العلم. قال: فألبستني وعمّمتني ثم قالت: اذهب فاكتب الآن. وكانت تقول له: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت