فهرس الكتاب

الصفحة 22389 من 27345

تحدثت مع عدد من المشايخ والفضلاء عن كيفية مواجهة ما ينشر من السوء في صحفنا فأوصى بعضهم بالرد عليه فقلت إن المقالات الهادمة أو التي فيها عوج وميل كثيرة كثرةً فاحشة، وأصبحنا كل يوم نواجه بمقالات كثيرة تفتقر إلى تقويم ومناقشة ، من الصفحة الأولى في الجريدة إلى صفحة الرأي إلى الصفحة الأخيرة ، وأمر كهذا يصعب جدا معه الرد والمناقشة بل تصعب المتابعة ، وأمر آخر مهم هو أن الصحافة المصرية التي أُسست في أواخر القرن الثالث عشر الهجري/التاسع عشر الميلادي على أيدي أشخاص أكثرهم نصارى أو مشبوهون كانت تعج بمقالات شبيهة بما في مقالات صحافة بلادنا اليوم وكانت هناك ردود من قبل علماء وعقلاء وفضلاء فهل أغنت عنهم هنالك ؟ المتابع على مدى قرن وثلث إلى الآن يجد كل محاولات الرد لم تغن الغناء المطلوب بل ولا عشر المطلوب، وازدادت الصحافة المصرية تفسخًا وفسقًا واستقبالًا لأقلام المشبوهين ثم الملاحدة وقت سيطرة الشيوعية الماركسية على مصر في زمان العبد الخاسر، ولله در القائل

ولو كان سهمًا واحدًا لاتقيته ولكن سهم وثاني وثالث

وهناك ملاحظة مهمة وهي أن عددًا من الجرائد لا تسمح بالرد أو تورده على غير وجهه أو في غير مكانه أو في غير أوانه فيفتقد إلى حرارة وحماسة المقال المردود عليه ، ثم ما هي القيمة الحقيقة للرد بعد إن تلقى القارئ الجرعات المسمومة وانطبعت في ذهنه أفكار الكاتب المشوشة ؟! ولعل قائلًا يقول: كلموا رؤساء التحرير ، ولا أظن هذا كافيًا - وان كنت أرى إن المحاولة جيدة - فقد أرسلت لبعضهم رسالة فلم يحرك ساكنا ولم يسكن متحركا، وبعضهم متعاطف مع ما يكتب.

وأرى والله اعلم أن يتحرك العلماء والمشايخ وطلبة العلم والدعاة والفضلاء للذب عن الإسلام وأهله في هذا البلد ، قبل أن يتسع الخرق على الراقع ويصعب العلاج ، وسماحة المفتى مطالب بعمل شيء ، وكذلك الرئيس العام كهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكذلك هيئة كبار العلماء مطالبة بإنزال بيان توضيحي لما يجري في الساحة الثقافية اليوم ، وقد يقول قائل أن هذا حدًا من حريات الناس في الحديث والنقاش ، وأقول: هل يسمح لمن هو غير طبيب أن يتحدث عن الطب وينتقد الأطباء ، وكذلك الحال مع المهندسين وسائر التقنيين والفنيين ؟ فكيف يسمح لكل من هب ودب أن يتحدث عن الإسلام ومناهج تدريسه وطرق الدعوة إليه وهو بعيد كل البعد عن الالتزام بأحكامه ، ومعرفة مراميه ومقاصده وفهم شريعته ؟ وكيف تكون هناك لجنة لإجازة المحاضرات في المساجد ، وكثير منها يحضرها العشرات أو المئات على الأكثر وتظل هذه اللجنة تدقق أسابيع طويلة في المحاضر ومادة المحاضرات قبل إجازتها ، ثم يسمح لكل ناعق ان ينعق بما شاء كيفما شاء في صحفنا يقرأها عشرات الآلاف ، وبعضها يقرأها مئات الآلالف فهل هذا يعقل يا عباد الله ؟

إن الحد من هذيان المفسدين ومنعهم من الإفساد عبادةً نتعبد الله بها ، فينبغي أن يكون هناك نظام يمنع من النقد الهادم المر للإسلام وأهله بدعوى حرية الرأي وحرية النقاش ، نعم إن حرية النقاش والرأي إنما هي لمن كان أهلًا للحديث عن هذه الأمور ، فاهمًا بما يريد الحديث عنه ، ينطلق من نقد واع بناء هادف ، يريد المصلحة العامة أما غيره فلا، ولا بد أن يتحدث العلماء مع أولى الأمر في هذه المسألة المهمة، بل هي في غاية الأهمية لأن إفساد الدين والعقل بمثل هذه المقالات أخطر من إفساد الجسد بتعاطي الفواحش والمنكرات ، لأن المرجو من متعاطي المنكرات أن يتوب ويؤوب لكن قليل من تاب من مرض الشبهة وفساد الفكر وتلويثه ، وإن لم يأخذ ولي الأمر على أيدي هؤلاء المفسدين والمغرضين فإني أخشى أن تصبح صحفنا بلاد الحرمين مثل جرائد مصر والشام التي حاربت كثيرًا منها الإسلام وأهله جهارًا نهارًا.

وهناك مسألة مهمة لا بد من ذكرها قبل أن أختم تحذيري وبياني وهي أننا اليوم نحارب الغلو والتشدد الذي ظهر في بلادنا أخيرا ، ونفعل كل ما في وسعنا من اجل إيقافه ومحاصرته ، لكن الذي يجري في صحفنا من التوسع المريع في عرض صور الممثلات وأخبار الوسط الفني الذي يرشح بل يفيض بالسوءات والحرام والتوسع في ذم كل ما له صلة بالمناهج الإسلامية والدعوية ، والتوسع في القدح في علماء الإسلام ورموزه ، والتوسع في عرض آراء المشبوهين والمغرضين الساعين في الأرض فسادًا ، والتوسع في عرض آراء الجهال وأرباع المثقفين الذين يظنون أنهم يحسنون صنعًا، والتوسع في إبراز كل السلبيات والسيئات التي تنتج عن التطبيقات اليومية لمختلف الأنشطة الإسلامية التربوية الدعوية والخيرية والإغاثية وغض النظر عن الإيجابيات ، التوسع في كل ذلك يجعلنا نضع أيدينا على قلوبنا خوفًا وهمًا وكمدًا ، ونخشى والله أن تبوء جهودنا لتطويق العنف والغلو بالإخفاق وتذهب أدراج الرياح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت