التعليق على الدراسات السابقة:
من خلال الاستعراض الموجز للدراسات العربية السابقة التي وقف عليها الباحث في ضوء الموضوع المختار للدراسة الحالية اتضح أن هذه الدراسات في جملتها لم تتعرض لموضوع قيادة المرأة للمركبات، وأنها تشترك مع الدراسة الحالية في مسألة قيادة السيارات وما يتعلق بها من الحوادث، والآثار المترتبة على ذلك من الناحية الشرعية والاقتصادية والقانونية. فالدراسات: الثالثة والسابعة والثامنة جغرافية التخصص، والدراستان الخامسة والتاسعة تنحو منحنى قانونيًا، والدراسة الرابعة فقهية شرعية، والدراسة السادسة اقتصادية التوجه. إلا أن الدراستين الأولى والثانية أقرب الدراسات إلى موضوع الدراسة الحالية لطبيعتهما التربوية.
وهذه النتيجة التي ظهرت من خلال استعراض الدراسات السابقة: تعزز لدى الباحث اختيار الموضوع باعتباره دراسة جديدة لم يُسبق إليها من الناحية التربوية الإسلامية على الأقل.
مبررات منع المرأة من قيادة المركبات
من المنظور التربوي الإسلامي
تعتبر المواصلات من أهم المشكلات التي تواجه المرأة العاملة في هذا العصر، ولا سيما بعد التوسع الهائل في تشغيل النساء الذي شهده سوق العمل ضمن خطط التنمية المتعاقبة التي توصي بمشاركة النساء في التنمية الشاملة؛ ولهذا يضيق بعض النساء العاملات والمتحمسون لهن في البلاد المحافظة بالمنع من مزاولة المرأة قيادة السيارة، ويشعرن بالضيم، فلا يزلن يطالبن بذلك، دون نظر جاد لعواقب الأمور ( [3] ) .
ورغم أن مهارة قيادة المركبات الصغيرة من حاجات هذا العصر المهمة ( [4] ) : فإنها لا تبلغ عند المرأة المسلمة درجة الضرورة التي تبلغها عند رب الأسرة، بل ولا تبلغ درجة الحاجة التي تبلغها عند الشاب العَزَب الذي لا يقوم على أسرة، فهي في حقها في الأعم الأغلب من باب التحسينيات التي لا تتضرر بنقصها، والنادر ـ كما هو معروف ـ لا حكم له ( [5] ) ؛ ولهذا يُلاحظ في البلاد التي تسمح للمرأة بالقياةدة توافر السيارات لدى الشباب أكثر بكثير من توافرها لدى الفتيات ( [6] ) ، كما أن إتقان مهارتها يكاد يكون عامًا لدى غالب طلاب المرحلة الثانوية وكثير من طلاب المرحلة الإعدادية، حتى إن الشاب منهم يشعر بأن السيارة جزء من حياته، وعدم امتلاكها يمثل له نوعًا من الحرمان ( [7] ) .
ورغم أن غالب دول العالم تسمح للنساء بممارسة هذه المهارة دون حرج، ورغم إتقان كثير منهن لها بصورة كبيرة ( [8] ) ، ورغم ممارسة جمع منهن لهذه المهارات في بعض الأرياف خارج المدن ( [9] ) : فإن المختار في هذه القضية المنع، حتى في البلاد التي سمحت بها، واعتادها بعض النساء، فإن الأولى تركها، وإفراغ الوسع في تجنُّبها ( [10] ) ، لا لكون مهارة القيادة محرمة في ذاتها ولكن لما يمكن أن تفضي إليه من المحظورات المتعددة. ولعل فيما يلي من المبررات ما يجلي هذا التوجه ويقوي اختياره:
أولًا: المبرر الفقهي ( [11] ) لمنع المرأة من قيادة المركبات:
ويظهر هذا المبرر في كون الشريعة مبناها على جلب المصالح ودفع المفاسد، فما غلبت مصلحته أباحته، وما غلبت مفسدته منعته ( [12] ) . فالمأمورات والمنهيات في الشريعة تشتمل كل منهما على مصالح ومضار، والحكم في كل منها على الأغلب ( [13] ) . يقول ابن عبد السلام:"المصالح المحضة قليلة وكذلك المفاسد المحضة، والأكثر منها اشتمل على المصالح والمفاسد... والإنسان بطبعه يؤثر ما رجحت مصلحته على مفسدته، وينفر مما رجحت مفسدته على مصلحته" ( [14] ) . وهذه المسألة في تقديم الجهة الغالبة: من مسائل الإجماع عند العلماء، الثابتة بالكتاب والسنة والعقل، خاصة في هذا العصر الذي اختلطت فيه المصالح بالمفاسد بصورة كبيرة ( [15] ) .
ومن هنا جاء باب سد الذرائع المفضية إلى المفاسد ( [16] ) ، أو المؤدية إلى إهمال أوامر الشرع، أو التحايل عليها ولو بغير قصد ( [17] ) ، فإن"سد الذرائع أصل من أصول الشريعة الإسلامية، وحقيقته: منع المباحات التي يُتوصل بها إلى مفاسد أو محظورات... ولا يقتصر ذلك على مواضع الاشتباه والاحتياط؛ وإنما يشمل كل ما من شأنه التوصل به إلى الحرام" ( [18] ) ، فالشارع الحكيم إذا حرَّم أمرًا حرَّم الوسائل المفضية إليه ( [19] ) ؛ فإن"الوسائل تبعٌ للغايات في الحكم" ( [20] ) ، و"وسائل الحرام" ( [21] ) ، و"ما أفضى إلى حرام حرام". ( [22] )