فهرس الكتاب

الصفحة 22512 من 27345

فإذا كانوا مع الله تعالى وتصوروا أن الله معهم في معركتهم مع الأعداء , وأنه مطلع على مكنونات ضمائرهم فإن ذلك يعصمهم بإذن الله تعالى من الزلل , ويمنحهم دُفُعات من القوة والصمود في وجه الأعداء .

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحاور الأعداء موصولًا حبله بالله عز وجل , ولم يكن في قلبه شعور بأي قوة في الأرض , وكان يستلهم من الله تعالى الثبات والقوة بقدر ماكان يتلقى الوحي الإلهي الذي يحاور المخالفين على قبسات أنواره .

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد اختُصَّ بالوحي كسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإن ممثلي العلم الديني لم يَعْدموا هذا النور الذي سار على ضوئه الساطع ورثة النبي صلى الله عليه وسلم على مر العصور , بل هو بين أيديهم قد اكتمل قبل لَحَاق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى كما في قوله تعالى:

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (المائدة:من الآية 3 ) .

فما عليهم إلا أن يلتزموا بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم , بعد أن يوثقوا صلتهم بالله عز وجل , وأن يَشْعُروا بحضوره معهم بعلمه في كل ندواتهم وجلساتهم , بل في كل همساتهم وخطرات قلوبهم .

هذا وإن في رفض النبي صلى الله عليه وسلم من الكفار عروضهم المغريةَ من الملك والمال ردًّا بليغًا على أعداء الإسلام الذين فسروا الدعوة الإسلامية بأنها ثورة من الفقراء على الأغنياء الكبراء فلو كانت كما زعموا لكان في تحقق هذه العروض المغرية الوصولُ الكامل للمقاصد والأهداف التي دفعت إلى تلك الثورة .

ولو كانت كما زعموا لما رأينا في تلك الفئة المسلمة أغنياء في غاية الغنى والترف كعثمان بن عفان ومصعب بن عمير , ومن هم دونهم في الغني ولكنهم يفوقونهم في الشهرة والمكانة كأبي بكر وعمر , إذ أن المنطق الصحيح - لو كان الأمر كما زعموا - أن يكون هؤلاء في صفِّ أهل الغنى والزعامة القبلية .

ولقد بَيَّنَتْ أحداث الهجرة بعد ذلك الهدف السامي الذي ضحى من أجله المسلمون حيث تركوا أموالهم بمكة وهاجروا إلى المدينة ابتغاء رضوان الله تعالى والدار الآخرة رضي الله عنهم أجمعين .

هذا ولقد بدأ الكفار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بفتنة الأذى والتخويف كما سبق , فلم يثنه ذلك عن عزيمته , وظل صامدًا في دعوته , فلما لم يُجْد معه هذا النوع من الفتنة تحولوا إلى فتنة التأليف , فعرضوا عليه هذه العروض الكبيرة .

وهكذا الكفار في كل زمن يحاولون فتنة دعاة الإسلام بهذين النوعين ليتحولوا عن دعوتهم , أو ليقْبَلوا المداهنة , وذلك بالتنازل عن بعض مايدعون إليه حسب مايريده الأعداء .

وإن للدعاة إلى الله تعالى لأسوة حسنة برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث لم يخضع لفتنة الكفار , سواء في مجال التأليف أو في مجال التخويف .

وهل عُرض على داعية أن يكون ملكًا على قومه كما عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!

لقد عُرض على بعض الدعاة لعاعةٌ من الدنيا فسارعوا إليها وتخلوا عن دعوتهم, أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ظل ثابتًا على طريقه المستقيم ولم تخطر له الدنيا ببال.

(1) دلائل النبوة للبيهقي 2/203 , ورواه الحاكم بنحوه وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه , وأقره الذهبي - المستدرك 2/253 - 254 , وذكره الهيثمي من حديث جابر رضي الله عنه بنحوه وقال: رواه أبو يعلى وفيه الأجلح الكندي وثقه ابن معين وغيره وضعفه النسائي وغيره وبقية رجاله ثقات - مجمع الزوائد 6/19 - وحسن الشيخ الألباني إسناده - هامش فقه السيرة للغزالي /113 .

(2) سيرة ابن هشام 1/293 .

(3) أي ظهر لهم في شأنه أمر .

(4) يعني مشقتهم .

(5) نجعلك سيدًا .

(6) أي تبلغ منك العذر .

(7) سيرة ابن هشام 1/295 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت