ونستطيع أن نتعلم من حركة اليهود في العالم أكثر من درس بليغ، حيث استطاعوا أن يتحولوا وبصمت عجيب ومن خلال العمل الدؤوب من أقلية مضطهدة مكروهة إلى أقلية ساحقة ومهيبة ومسيطرة، ومهما قلنا عن محاباة الغرب لهم فإن الصحيح أيضًا أنهم قد أبدَوْا براعة نادرة في التنظيم والتخطيط والجهد المتتابع وتلمس مكامن القوة ونقاط الارتكاز، بالإضافة إلى الإحساس المبكر بأهمية العلم في تكوين النفوذ...
حين تكون على درجة عالية من الكفاءة تكثر أعداد الذين لهم مصلحة عندك، وأعداد الذين يحتاجونك. ومن خلال الحاجة إليك يمنحونك الفرصة تلو الفرصة، لأن تكون مؤثرًا وفاعلًا، حتى أعداؤك فإنهم يضطرون إلى مصانعتك من أجل الاستفادة منك.
ملء الفراغ وإحداث التأثير المتميز يحتاج إلى عدد من الأمور المهمة، منها:
1-الكفاءة العالية، والتي يأتي كثير منها من وراء التعلم الجيد والتخصص والتدرب الممتاز والمثابرة في اكتساب الخبرة.
2-الأمانة والاستقامة وشعور المرء بالمسؤوليّة الأخلاقيّة عن العمل الذي بين يديه.
3-التضحية وجعل التبرّع والعطاء المجاني انتظارًا للمثوبة من الله تعالى.
4-فن التفريق بين الجوهري والهامشي وبين المرض وأعراضه، وأعتقد أن انتشار الشرور في المجتمعات الإسلاميّة يعود إلى عدد من الأسباب الجوهريّة والتي منها: حبّ الدنيا، ضعف التربية الأسرية، وهن الإيمان والجانب الروحي، الإعراض عن القراءة والاستمرار في التعلم، عدم كفاءة القوانين والنظم الإداريّة.
5-الشعور بالمسؤولية الشرعيّة عن انتشار المنكرات وشيوع الفواحش، ولنا أن نتأمل قول الله -جل وعلا-: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ*كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [المائدة:78-79] . وفي حديث الشيخين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل على زينب بنت جحش -رضي الله عنها- فزعًا، يقول:"لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب"قالت زينب:"يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟"، قال:"نعم، إذا كثر الخبث".
أي زمان كزماننا غير المباشر أهم من المباشر، ويكون الردع عن طريق الفعل أقوى من التأثير عن طريق الكلام، كما تكون الحركة الإيجابيّة أهم من الموقف السلبيّ الشاحب والمحتج. وللنية الحسنة والنشاط المستعر قيمة في كل زمان، ولا يكافئ فضيلة الإخلاص إلا كرم التوفيق