فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
إنَّ من المفيد والجيِّد أن نقرأ تجارب الدعاة والمفكرين العملييِّن الأقدمين والمعاصرين ، ولعلِّي أقتصر بالتمثيل على تجربة الإمام عبد الحميد بن باديس ـ رحمه الله ـ حيث باشر بن باديس تأسيس المدارس و تولّى بنفسه مهمة التعليم ، و ركزّ على تعلم الكبار بفتح مدارس خاصة بهم لمحو الأمية ، كما اهتم بالمرأة من خلال المطالبة بتعليم الفتيات إذ أنشأ أول مدرسة خاصة للبنات بقسنطينة سنة 1918 ، واعتبر تعليم المرأة من شروط نهضة المجتمع لكن تعليم المرأة لا يعني تجاوز التقاليد و الأخلاق الإسلامية ، ومن ثمَّ فقد وسع بن باديس نشاطه ليفتتح عدة مدارس في جهات مختلفة من الوطن بالتعاون مع عدد من شيوخ الإصلاح أمثال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي و غيره ، كما ساهم في فتح النوادي الثقافية مثل نادي الترقي بالعاصمة الإصلاح ؟
حتى لا أعرض مشكلة بمشكلة...!
حتى لا يكون كلامي ـ كذلك ـ تنظيريًَّا فإنَّ هناك عدَّة مقترحات لعلَّها تكون مسهمة في التأكيد على الحذر من الإبقاء على طريقة الواجبات والمتحتِّمات و اللوزام القطعيات ، وأهميَّة بناء سواعد العمل ، وفتح آفاق للعمل الجاد وبناء أسس التطبيق:
1ـ المخالطة للناس والشعور بشعورهم ومعايشة أوضاعهم ، وهذا من سنن الأنبياء والمرسلين ، ولهذا فقد ظنَّ مشركو قريش أنَّ الرسول يكون متقوقعًا على نفسه ، منكفئًا على ذاته، ولهذا فقد استغربوا معايشته لوضع الناس وأحوالهم ، بله الدخول في أماكن بيعهم وشرائهم: (وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا) الفرقان (7) ولهذا فمن صفة الرجل الذي يسعى لبناء منهج تغييري رصين ، أن يسند قوله بعمله ، وكلامه بتطبيقه ، وإلزامه للناس بالأسبقيَّة لهم بالفعل والفعال .
2ـ تفعيل جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والانخراط في واقع الناس والجماهير العريضة في الأمَّة الإسلاميَّة ، وتوجيههم وخدمتهم والسعي في مصالحهم وما هم بحاجة إليه ، وقد جاء في الحديث: ( لأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهرا) أخرجه الطبراني وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع برقم (176) .
3ـ إن استطاع الداعية والمفكِّر أن يصنع موقفًا يمكن أن يعالج به مشكلة تعترض الجماهير أو العامَّة ، بصنع موقف إيجابي ، وتحويل الحدث المأساوي إلى صياغة عمليَّة موفَّقة فإنَّ هذا سبيل مهم ، ودليل على التربية بالموقف والقدوة الفعَّالة ، وقد سلكه رسول الهدى ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ فقد قال:"لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدق به ويستغني به عن الناس: خير له من أن يسأل رجلا أعطاه أو منعه ، ذلك بأن اليد العليا خير من اليد السفلى"أخرجه مسلم.
وحين جاءه رجل يطلب منه ـ عليه الصلاة والسلام ـ مالًا ويشكو إليه داء الفقر وقلَّة ذات اليد ، صنع عليه السلام موقفًا إيجابيا ، وحوَّل فيه النقمة إلى نعمة ، فعن أنس بن مالك أن رجلًا من الأنصار أتى النبي - صلى الله عليه وسلم- يسأله فقال: أما في بيتك شيء؟ قال: بلى:حِلْس (الحلس: كساء يوضع على ظهر البعير أو يفرش في البيت تحت حر الثياب) . نلبس بعضه، ونبسط بعضه، وقعب (والقعب: القدح - الإناء) . نشرب فيه الماء. قال: ائتني بهما، فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: من يشتري هذين؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهم، وقال: من يزيد على درهم؟ -مرتين أو ثلاثًا- قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاري وقال: اشتر بأحدهما طعامًا وانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدومًا فائتني به، فشد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عودًا بيده ثم قال له: اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يومًا فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشر دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا وببعضها طعامًا، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة. إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع (والفقر المدقع: الشديد، وأصله من الدقعاء وهو التراب، ومعناه: الفقر الذي يفضي به إلى التراب، أي لا يكون عنده ما يتقي به التراب) ، أو لذي غرم مفظع (والغرم المفظع: أن تلزمه الدية الفظيعة الفادحة، فتحل له الصدقة ويعطى من سهم الغارمين، أو لذي دم موجع"(الدم الموجع: كناية عن الدية يتحملها، فترهقه وتوجعه، فتحل له المسألة فيها) أخرجه أبو داود في سننه 2/120 ، والترمذي في جامعه (3/522) وقال: حسن .
فهو هنا عليه السلام صنع له البديل الأفضل ، والطريقة الأمثل لعلاج ما به من فقر وفاقة، وكما يقول المثل الدارج:"لا تطعمني كل يوم سمكة ولكن علمني كيف أصطاد"•