فهرس الكتاب

الصفحة 2297 من 27345

لقد كنت بإيمانك المدهش الذي لا يعرف التردد أو الخور وبأصحابك الميامين الأوفياء الذين وقفوا معك تسعى نحو أمل كبير فوق كل أمل، وهو أن تُسمع صوتك للإنسانية جمعاء. لقد بذلت كل ما في وسعك طوال حياتك السنية وفي كل فصل من فصولها بل في كل نفس من أنفاسك العطرة من أجل السعادة الأبدية للإنسانية جمعاء، ولم ينقطع جهدك هذا ووفاؤك وإخلاصك أبدًا. وما كان كل هذا لينقطع أو يتوقف لحظة، لأنك كنت تسعى لتحقيق أحلام الإنسانية جمعاء لكي تكون لجهودها معنى، ولكي تحقق الأرواح الظّامئة للأبدية أملها وحلمها... فهذه هي رسالتك، ومن أجلها أُرسلت وبُعثت... لتأمين الحاجات القلبية والروحية والمادية للإنسانية، ولتحقيق أملها في الحب والتحابُب، ولتحقيق أحلامها وآمالها في السعادة هنا وفي الدار الآخرة... كان هذا الأمر يشكل عمقًا مهمًا من رسالتك، وكنت قد عزمت على تحقيق هذا الأمر.

كانت رسالتك عالمية وكونية، لذا كان كل شخص يأخذ منها حسب سعة قلبه ويقيّمها حسب قابليته وحسب جو قلبه وأحواله. وذلك بفضل الطابع الفطري فيها، وكون الأحكام التشريعية فيها مسايرة للقوانين السائدة في الكون وموافقة للطائف القلبية والروحية والعقلية الموجودة في الإنسان. فكل قلب، وكل فؤاد يجدها موافقة لفطرته وملائمة لها، ويطلع بواسطتها وفي جوها الروحاني على الأسرار العميقة للوجود. أجل، كل ما سمعناه منك، وكل ما فهمناه من أشياء وأمور عند قراءتنا لتصرفاتك وخُلُقك الرفيع فهمناها وسعدنا بها وفسّرناها، مع أن مصدرها مصدر سامٍ تنزلت منه موجات إثر موجات حسب عقولنا ومستوانا، فأحاطت بأرواحنا واحتضنتها، وداعبت مشاعرنا وأحاسيسنا، وأحسسنا بقربها منا وكأنها نبتت ونمت ثم ترعرعت في إقليم قلوبنا وفي بستانها؛ وشعرنا بدفئها حتى لكأنها توشك أن تتدفق من صدورنا. لقد أحاطت بماهيتنا الإنسانية وتفرست في أعيننا وتمعنت وكأنها سحرتنا بطعمها وبلاغتها من رأسنا حتى أخمص قدمينا. كان هذا الأمر خصلة من خصالك تفردت بها، وسجية من سجاياك لم يشاركك فيها أحد.

استطعت أن تخاطب الناس جميعًا خطابًا يعلو على جميع المشارب والثقافات الخاصة، ولكن باسلوب فائق الجمال سامي الدرجات لا يجرح أحدًا ولا يخدش مشاعره... تخاطب كل الناس فتؤثر في الأرواح المهيأة وتوقظها. خطابك بليغ... خطاب ذو رموز خاصة وإشارات وإيماءات تقوم بمضاعفة معنى التعابير وتعمقها وتجسدها... لقد فتحت أبواب أسرار الأشياء والحوادث أمام من سيأتي من بعدك، بل فتحتها على مصاريعها أمام بعضهم حتى سموا إلى تذوق نشوة عالم آخر... نشوة لا تبلغها أي نشوة أخرى ولا ترقى إليها. ونحن لا نزال نحتفظ في قلوبنا بهبات السماء وهداياها (الآيات القرآنية) وعندما نقوم بالتعبير عنها وترجمتها إلى الواقع بتعابير جديدة حسب مقتضيات العصر نتذكرك على الدوام، ليس مرة واحدة بل ألف مرة... ومن أعماق قلوبنا ننحني إجلالًا لك وتوقيرًا. فهذا حق لك، كما هو واجب على جميع رعاياك وأتباعك الذين تنبض قلوبهم بالوفاء لك.

أنت هبة للكون من قبل الخالق جل وعلا لا نظير لها ولا مثيل، ورسالتك وتعاليمك أمانة منه تعالى إليك. لقد أصبحتَ عند الذين عرفوا هذا وأدركوه أعزّ وأحب من أرواحهم، فقد علموا مدى دَينهم لك. لذا فما فتئوا مخلصين لك وأوفياء، وقد حصلوا على أضعاف وأضعاف مقابل هذا الوفاء.

ولكن جاء يوم ظهر فيه بعض المختلين نفسيًا وعقليًا من جحورهم من منتسبي ثقافات أخرى وقاءوا أقذار كفر قلوبهم وأرجاسها وبدأوا يتحرشون بك ويصمونك -حاشاك ألف مرة- بالبداوة، ويصمون صوت السماء، ورسالتك بأنها"قانون الصحراء". ويحاولون حبسك في عهد معين، ويتجرأون على القول بأنك تعود"لذلك العهد ولذلك القوم"، وشجعوا بهذا عالمًا مليئًا بالأحقاد والخصومات والعداوات، واستعانوا على ذلك برسوم كاريكاتيرية شنيعة بعيدة عن الخُلق؛ أيْ تعرضتَ لجحود أتباعك وعدم وفائهم، ولهجوم أعدائك. ولو تركنا الجهود المباركة لسلفنا الصالح وأجدادنا الأوفياء جانبًا فقد أدركنا بأننا لم نستطع أن نُعرِّفَ العالم بك. وكلما تذكرنا الآن محاولات جبهة الكفر والتهجم عليك تمتمنا:"ما أجحدنا وما أبعدنا عن الوفاء!!"

وعلى الرغم من كل شيء فلا نشك مطلقًا بأن عهدًا جديدًا ذا جذور معنوية وروحية قوية، وذا جينات صافية... عهدًا زاهرًا ذا جو وماء وتربة تبشر بعالم جديد سيقترب من رحابك التي تفوح شفقة ورحمة... وسيكون هذا بعثًا جديدًا بعد الموت آجلًا كان أم عاجلا. لقد بدأ الآلاف بل مئات الآلاف منذ الآن ينتظرون هذا العهد الجديد ويترقبونه ويعيشون على أمله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت