والرسل أنفسهم ليسوا هم الدعوات التي منّ الله بها عليهم, إنما هم مبلغون عن ربهم, وإلا لماتت الدعوات بموتهم { قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا ان ناتيكم بسلطان إلا باذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [إبراهيم: 11] . وقد حسم القرآن هذه القضية بالإلحاح علي «بشرية» الرسول صلي الله عليه وسلم {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحىإلي انما إلهكم إله واحد } [الكهف: 110. وهي حقيقة أكدها خلفاؤه وصحابته من بعده, فحينما انتقل إلي الرفيق الأعلي, وارتج المسلمون, واستبد بهم الهلع, أعاد إليهم أبو بكر الصديق نفوسهم إذ خطب فيهم قائلًا: «يا أيها الناس: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات, ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت, - {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات او قتل انقلبتم على اعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرينّ} [آل عمران: 144] . ولذلك كان الإطلاق القرآني علي معتنق الإسلام هو «المسلم» لا"المحمدي".
وكان النبي صلي الله عليه وسلم يستمع للرأي الآخر, ويأخذ نفسه به, وإن جاء أحيانا مخالفا لرأيه , فأخذ برأي «الحباب بن المنذر» بتغيير موقع نزول الجيش مرتين: مرة في بدر, ومرة في خيبر. وخلافا لما كان يري , أخذ برأي الآخرين - وخصوصا الشباب - بقتال الكفار خارج المدينة في أحد. وحينما خاطب النبي صلي الله عليه وسلم المسلمين قبيل بدء القتال في بدر قال «.. ومن لقي العباس بن عبدالمطلب فلا يقتله, فإنه إنما أخرج مع الكفار مستكرها» . قال جندي من جنود المسلمين هو «أبو حذيفة بن عتبة» : أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخوتنا وعشيرتنا ونترك العباس?, والله لئن لقيته لألحمنَّه بالسيف , أي لأضربنه بالسيف حتي يخالط السيف لحمه. لم يعاقبه رسول الله صلي الله عليه وسلم, ولم يعزله عن جيش المسلمين, ويحرمه من الجهاد. وكل ما فعل أن وجه كلامه لعمر بن الخطاب في هدوء قائلا
"يا عمرأيرضيك أن يضرب وجه عم رسول الله بالسيف"؟ وكم قيل له ولخلفائه «اتق الله . » وسماحته وإنسانيته في التعامل مع رأس النفاق عبدالله بن أبي بن سلول معروفة. ولم يُبرز ويواجه الآخرين بوصف «النبوة والرسولية» , لرفض الرأي الآخر إلا فيما نزل فيه وحي.
ونخلص من كل ذلك إلي أن الإسلام لا يعرف, ولا يعترف بمقولة تتردد كثيرا هي: الإنسان الرمز . فيوصف عالم من العلماء بسبب «منصبه العالي» أو «علمه الغزير» بأنه رمز الإسلام. وأن «معارضته» ونقده, ورفض فتواه «إهانة للدين وإساءة إليه» , لأنه لا قيمة لعالم - مهما علا منصبه, وغزر علمه - إذا لم يأخذ نفسه «بأخلاقيات النبوة» من خشية الله, ورعاية الحق, وإيثار الأمة, والجرأة في الحق, لا يخشي فيه لومة لائم, ولا فقد منصب, وضياع جاه. وفرض علينا أن نحمل, ونبدي لمثل هذا «العالم» كل تقدير. أقول كل تقدير, وأخطأ من يخلط بين «التقدير» و «التقديس» . والفرق بينهما يحتاج إلي و قفة أخري