لقد استمعت بأذني إلى عدد من أهل القرى -أعمارهم فوق الستين سنة- لا يستطيعون أن يقرؤوا الفاتحة، بل إنهم -وهذا أخطر- يأتون بآية من الفاتحة وأخرى من عندهم!! بل قد جاءني عدد الإخوة من مدينة بيشة، وقد ذهبوا إلى تهامة يقولون: رأينا أعمالًا عجيبة؛ لم نكن نتصور أنها موجودة في هذه الجزيرة، وكتبوا في هذا لسماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز، واهتم فضيلته بهذا الجانب.
ولا يتسع المقام لذكر نماذج من أعمال الناس التي تدل على شيوع الجهل، ووجود بعض الاعتقادات الباطلة والأعراف الجاهلية والعادات السيئة.
سادسًا: ظهور جماعات الغلو، وتأثيرها في هذه المناطق أهمل الدعاة وطلاب العلم هذه المناطق، وجاء إليها بعض الوافدين من بعض البلدان العربية التي انتشرت فيها جماعات الغلو، -كجماعة التكفير والهجرة-، ووجد هؤلاء فرصتهم في نشر أفكارهم لاسيما مع غياب الوعي، وخاصة لدى الذين سلكوا أسباب الهداية حديثًا، ولم يجدوا العلم الكافي لتحصينهم ضد هذه الآراء في ظل حماس شديد للدين يجعل هذه الأفكار قريبة إليهم، وسهلة التسلط على عقولهم.
وهذا أمر خطير له آثاره السلبية على شباب الصحوة، وأخشى أن تأتينا الفتنة من قبل هؤلاء.
فعلى العلماء والدعاة أن يتقوا الله، ويزوروا هذه المناطق، ويستقبلوا الوافدين منها من الغيورين الذين أقض مضاجعهم هذا الأمر.
ولا بد من الرفق مع هؤلاء الناس، ودعوتهم بالحسنى، وتحمل ما قد يأتي من بعضهم، فهم من الكفر فروا.
سابعًا: الإمكانات المتوافرة لدى الدعاة وطلاب العلم، وعدم توجيهها واستثمارها على الوجه الأحسن عند البعض، هذه الإمكانات لدى بعض الدعاة لم تستثمر، ولم توجه على الوجه الأحسن والأكمل، ولو نظرنا إلى الأعداد الكبيرة التي تحضر لسماع المحاضرات في المساجد لتيقنا من هذا.
فهل كل هؤلاء لديهم دروس في المساجد؟!
هل كل هؤلاء خطباء أو أئمة مساجد؟ بالطبع لا! إنني أتوقع أن عدد الذين ارتبطوا في أعمال الدعوة إلى الله في مدينة كالرياض -مثلًا- لا يزيد على عشرين أو ثلاثين بالمائة!
فأين تذهب أوقات السبعين أو الثمانين بالمائة الأخرى؟
ألا توجه للدعوة إلى الله في القرى والهجر والبوادي.
ثامنًا: إن هذا المشروع مجال جديد ومهم من مجالات التربية.
هذا المشروع مجال مهم تستثمر فيه طاقات الشباب من خلال المدارس والجامعات، وهو من أفضل الفرص التربوية لتربية الشباب.. لم لا تقوم مجموعات من شبابنا برحلات إلى هذه القرى!!
لأن من خلالها تحصل فائدتان:
فيها دعوة إلى الله -جلا وعلا_.
فيها تربية للقائمين على هذه الدعوة.
هذه أبرز الأسباب، وكل سبب يحمل في مضمونه بلاغًا.
تأصيل الموضوع من الناحية الشرعية
أولا: أدلة القرآن الكريم:
هذا المشروع هو أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وتأصيل للإيمان بالله -جل وعلا-، قال الله -تعالى-:"كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ" (آل عمران: من الآية110) . ويقول -جل ذكره-:"وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (آل عمران:104) . الدعوة في الخارج أمر مهم ولكن الأقربين أولى بالمعروف، قال -تعالى-:"وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ" (الشعراء:214) .
ولو وقفت أمام سورة"يس"، وقوله -تعالى-:"وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ" (يّس: 13،14) .
ثلاثة من الرسل أرسلوا إلى قرية واحدة، وكلهم كذبوا، وإن كانت القرية في الآية أعم وأكبر من القرية التي نتحدث عنها.
ثانيًا: الأدلة من السنة النبوية:
الأحاديث الواردة في هذا الموضوع كثيرة جدًا؛ قولية، وعملية.
أما القولية، فمنها قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"بلغوا عني ولو آية" (1) ، وعندما أذكر هذا الحديث فإني أنبه إلى أن هناك خلطًا واضحًا عند بعض الإخوة _هداهم الله_ بين اشتراط العلم، واشتراط أن يكون الداعية أحد العلماء. إن الداعية لا يشترط فيه أن يكون من العلماء، وإنما يشترط فيه العلم، فالمقصود أنك لا تدعو إلا بما تعلم، ولو آية واحدة، وهذا من معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"بلغوا عني ولو آية".
(1) - بلغوا عني ولو آية_كما قال صلى الله عليه وسلم.._ رواه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء من صحيحه (6/496) من شرح صحيح البخاري.