فهرس الكتاب

الصفحة 23404 من 27345

الخلاصة أن علينا التريّث في الظهور والاستعداد له على نحو مناسب، وإذا وجدنا أنفسنا مغمورين بالأضواء، فلنتعلم كيف نخطو خطوة إلى الوراء حتى نظل على تواصل مع مصادر التثقف، وعلينا إلى جانب هذا أن نحدس بالتطورات الثقافية القادمة من أجل المزيد من الوعي بالموقف الفكري الذي يجب أن نتخذه منها، وذلك بقصد تجسيد العلاقة بين الحاضر والمستقبل وإضفاء المنطقية على حركة الفكر خلالهما.

2-المثقف المسلم مهدد دائمًا بأن تتحول مهمته التبليغيّة والإرشادية من رسالة تملأ العقل والروح، وتشغل البال إلى حرفة أو وظيفة أو التزام أمام فلان وعلان. إن الذي يصنع خطابه وهو موقن بشرف المهمة التي يتصدى لها، وبأهميتها في إصلاح الناس، يتكلم ويكتب ويحاور، وهو مشتعل حماسًا وحيوية وأملًا ببلوغ مراضي الله تعالى، ونيل توفيقه. إنه يجعل من طاقته ووقته وقودًا حيًا لتحريك المجتمع في الاتجاه الصحيح.

وإن من شأن هذه الحالة أن تولّد الإبداع والفاعلية والاستمرار في العمل، إنه بسبب إخلاصه وصدقه وحماسته يظهر قدرًا كبيرًا من الفرادة والتميّز، ويعبّر عن تجربة فذة وغنية، وسيكون الأمر مختلفًا جدًا حين يتكلم الإنسان لأنه خطيب جمعة. وحين يعظ لأنه عُيّن على وظيفة واعظ وإلا لما وعظ. وحين يكتب يوميًا لأن هناك عمودًا يجب أن يقرأه الناس يوميًا وقد طرّز اسمه.. إن العمل حينئذ سيكون رتيبًا وكئيبًا، ويكون عند الحد الذي يسمح باستمراره ليس أكثر. وهذه المشكلة واسعة الانتشار إلى درجة أنها تصلح مفسرًا -مع تفسيرات أخرى- لحالة عدم الفاعلية التي نراها لدى كثير من الكتاب والدعاة. قد نكون في هذه المرحلة بحاجة إلى عدد كبير من الأبطال الذين يرفعون الرايات، ويقدمون النماذج الرفيعة في الحرص على التأبّي على التحوّل من موقع الرائد إلى موقع الموظف أو المنتفع. وما أشدّ الفرق بين النائحة والثكلى!

مشكلات المثقف(2)

د. عبد الكريم بكار 9/5/1426

تحدثنا في المقال السابق عن مشكلتين من أهم المشكلات التي يتعرض لها المثقف المسلم أو صانع الخطاب الإسلامي. واليوم نحاول إتمام الحديث بذكر ثلاث مشكلات أخرى نسوقها في الحروف الصغيرة الآتية:

1-التحزب أو الانحياز الفكري خطر آخر يهدد المثقف المسلم وغير المسلم. إن عظمة الأفكار تكمن في قدرتها على الرفرفة، وفي طلاقتها وقدرتها على التعبير عن الكرامة الشخصية والتعبير عن حرية الإدراك والقرار.

وهذه السمات تشكل الأساس الذي نمنح بناء عليه المصداقية للمجتهد والمفكر والداعية. إن المفكر الحر لا يستند في حريته الفكرية إلى التأبي على المساومة والتوظيف من قبل أصحاب المال والنفوذ فحسب، وإنما يملك إلى جانب ذلك المنهج الذي يمكنه من مقاومة (التأطير) الذي يهدد كل صانعي الخطاب. هناك فرق كبير بين مفكر اتخذ من مبادئه وعقيدته وخلاصة تجربته خلفية فكرية وثقافية توجهه، وإطارًا يتفاعل معه، ويتحرك في داخله، وبين مفكر انتسب إلى حزب أو جماعة أو مؤسسة، أو صار موظفًا لدى دولة، فأصبح ولاؤه الجديد عبارة عن إطار داخل الإطار الإسلامي، وأحيانًا يتحول إطاره من إطار صغير إلى إطار كبير يتداخل مع الإطار الإسلامي، وهذا يعني أن ذلك المثقف أو المفكر صار منحازًا إلى رؤية جزئية أو اجتهاد فئوي، أو صار معبرًا عن مصالح ضيقة لا تتطابق مع مصالح الأمة.

ليس هناك خطورة كبيرة في الأصل في أن يجد المرء نفسه ميالًا إلى اجتهاد دعوي أو إصلاحي دون غيره، لكن من المهم أن يكون على وعي بأنه مهدد بالتقزم الفكري والانحسار في الفهم للخريطة الفكرية والثقافية التي يجب أن يدركها، ويستحضرها عند تحليله وتقويمه للأشياء. وحين يتوفر هذا الوعي فإن المثقف المسلم سيعمل دائمًا على محاولة التحرر من قيود ثقافته وانتماءاته وذلك من خلال رؤية الأشياء من زوايا متعددة، ومن خلال الحرص على تفهم طروحات الآخرين والحرص على إنصافهم.

2-كثيرًا ما يشعر المثقف أنه يرى ما لا يراه غيره ممن يحيطون به، وهذا كثيرًا ما يولّد لديه مشاعر نرجسيّة صفويّة، كما يولّد لديه الاعتقاد بإمكانية فهم الواقع ومعرفة هموم الناس من غير مخالطتهم، وقد لاحظنا أن تشكيل ثقافة النخب قد تحول إلى ما يشبه الصناعة المغلقة؛ فصور الواقع يرسمها المثقفون، ويقومون بتحليلها، ويتداولونها بينهم، وهم وحدهم الذين يبتكرون الحلول للمشكلات ويشخّصون الخارج من الأزمات، وكثير منهم تكيّفوا مع أفكارهم، ويتوحّدون مع ذواتهم لاعتقادهم أنهم يعيشون في مجتمعات جاهلة وفاسدة، وهذا ما يجعلهم يشعرون بالغربة والعزلة الهامشية. وقد انعكس ذلك على طروحاتهم التغييرية، فهي ما بين سوداء ورماديّة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت