فهرس الكتاب

الصفحة 23462 من 27345

بالإضافة إلى معرفة مدلول معنى كلمة مضار على النحو الذي سبق شرحه، قد يحتاج القارئ الكريم أيضًا إلى معرفة ماذا تعني كلمة المعاملات في نظر اللغة والفقه والقانون، فالمعاملات عند أهل اللغة تعني التصرفات المالية مثل البيوع والمساقاة ونحوها ( [6] ) ، فهذا المفهوم يوافق ما قال به بعض الحنفية في المفهوم الاصطلاحي للمعاملات بأنَّها: (المقصود منها في الأصل مصالح العباد كالبيع والكفالة والحوالة...) ( [7] ) . ويدخل في مفهوم حقوق العباد في المذهب الحنفي الشركة والوقف واللقطة والنكاح. أما عند المالكية فالمعاملات هي: (شرع لبقاء جبلَّة الإنسان كالإذن في المباحات... وما شُرع لدفع الضرورات...لافتقار الإنسان إلى ما ليس عنده واحتياجه إلى استخدام غيره في تحصيل مصالحه) ( [8] ) . واكتفى الشافعية بأن المعاملات هي: (شرع معاملة الخلائق) ( [9] ) . فهذا يعني عندهم أن ما جاء من أحكام الشرع فيما يتعلق بتنظيم شئون الناس الخاصة فيما بينهم يسمى تنظيم معاملات الخلائق، وما جاء منها لتنظيم علائق الخلق مع الخالق تُسمى عبادات. أما الحنابلة فيسمون المعاملات بالعبادة المالية لأن فلسفة المذهب تسلك في تقسيم أعمال الإنسان إلى قسمين، فإما أن تكون أعماله عبادة بدنية، أو عبادة مالية، فهذه الأخيرة عندهم تعني المعاملات فتشمل جميع عقود المعاوضات المالية بالإضافة إلى عقد الوقف والهبة والصدقة من غير عقود المعاوضات المالية ( [10] ) . وفي الفقه المعاصر ذهب البعض إلى أن المعاملات هي: (مجموعة الأحكام التي يُقصد بها تنظيم علائق ـ الناس ـ فيما بينهم) ( [11] ) .

فإذا تدبرنا المعاني الاصطلاحية لمفهوم المعاملات سابقة الذكر نجد أن البعض قد توسَّع في معناها، فأدخل فيها بعض المعاملات التي لم يكن موضوعها ماليًا محضًا مثل النكاح على سبيل المثال، والبعض الآخر توقف عند مدلولها المالي وهو الرأي الراجح عندي لشيوعها بهذا المفهوم عند عامة الناس في هذا العصر، وعليه سوف أقتصر في هذا الموضوع على الحديث في بيان مضارّ المعاملات غير الشرعية في مجال التصرف في الأموال.

المبحث الثاني

صور من مضارّ المعاملات غير الشرعية

المعاملات غير الشرعية أنواعها كثيرة يصعب حصرها، فالحديث عنها في هذا البحث لا يعطي فرصةً للتوسُّع في سردها بقدر كبير، فنتناول منها في هذا المبحث ما يحتاج المجتمع إلى معرفته في هذا الظرف، وذلك بذكر بعضها لخطورة إتيانها على الحياة المدنية عامة. فإن الإقدام على المعاملات غير الشرعية سواء كانت كتلك التي تجري بين الأفراد أو الدول في نظر الشريعة والقانون يُعدُّ من مهددات أمن المواطن وزعزعة استقراره كما يجري الآن في السودان في ولايات دارفور أو ما يجري في العراق وغيرهما من بلاد المسلمين، فمن أبرز صور تلك المعاملات في هذا الوقت ما يأتي:

المطلب الأول: بيع السلاح أثناء الفتن:

المقصود بيان الرأي الشرعي والقانوني في بيع السلاح أيام الفتنة هل يجوز أم لا؟ فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الفتنة هي ما يقع من الحروب بين المسلمين، وأن بيع السلاح في تلك الظروف إعانة لمن اشتراه، ولكن إذا تحققت معرفة الباغي من الطرفين المتقاتلين، فإن البيع لمن في جانبه الحق لا بأس به، ولكنهم اختلفوا في غير ذلك لاختلافهم في فهم نص حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين فَبِعْتُ الدِّرعَ فابتعتُ منه مخرفًا( [12] ) من بني سلمة، فإنه لأوَّل مالٍ تأثلته ( [13] ) في الإسلام) ( [14] ) . ففهم بعضهم أن نص الحديث يدل على كراهة بيع السلاح أيام الفتنة، بينما يرى آخرون أن الحديث يدل على أن الجائز هو بيع السلاح في غير الفتنة لمن لا يُخشى منه الضرر، أما بيع السلاح مطلقًا عند هذا الفريق فغير جائز حتى ولو في غير أيام الفتنة، فهذا يدل على أن بيع السلاح إلى عصابات النهب المسلَّح والسطو وقُطَّاع الطرق غير جائز. فأرى أن هذا الرأي هو الراجح لأن تجارة السلاح بدون ضوابط في أيام الفتنة أو في غيرها قد ينتج عنه فساد في الأرض، وعليه فإن التشريع الجنائي السوداني مبدئيًا يعدّ استعمال القوة الجنائية لارتكاب أي جريمة ضد أي شخص بقصد إلحاق الضرر به أو تخويفه أو مضايقته جريمة يعاقب القانون عليها بالسجن لمدة سنة أو بالغرامة أو بالعقوبتين معًا ( [15] ) . فلذلك نجد أنَّ منهج القرآن الكريم قبل أن يُحرِّم الفعل الضار يمنع الدوافع التي تؤدي إلى وقوعه ابتداءً وذلك في قوله تعالى (واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل) ( [16] ) ، جاء في تفسير قوله عز وجل (والفتنة أشد من القتل) بمعنى أن الفتنة أشد من أن يُقتل المؤمن وقتله أخف منها، فهي أكبر من القتل ( [17] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت