فهرس الكتاب

الصفحة 23516 من 27345

عاش الحسين طفولته وصدر شبابه في المدينة المنورة، وتربّى في بيت النبوة ثم في بيت والده، وفي حلقات العلم في المسجد النبوي الشريف على الأخلاق الفاضلة والعادات الحميدة، أُثر عنه أنه حج خمسًا وعشرين حجة ماشيًا، وشهد سنة 35هـ مبايعة والده الإمام علي بالخلافة ثم خروجه معه إلى الكوفة، وشهد معه موقعة الجمل ثم صفين، ثم قتال الخوارج، وبقي معه حتى استشهاده سنة 40هـ، فأقام مع أخيه الحسن في الكوفة إلى أن تنازل الحسن عن الخلافة، وسلم الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان، وهو ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم ، فعن أَبي بَكْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي فَإِذَا سَجَدَ وَثَبَ الْحَسَنُ عَلَى ظَهْرِهِ وَعَلَى عُنُقِهِ فَيَرْفَعُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَفْعًا رَفِيقًا لِئَلَّا يُصْرَعَ قَالَ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ صَنَعْتَ بالْحَسَنِ شَيْئًا مَا رَأَيْنَاكَ صَنَعْتَهُ قَالَ إِنَّهُ رَيْحَانَتِي مِنَ الدُّنْيَا وَإِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَعَسَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ *رواه أحمد.

وكان الحسين لا يعجبه ما عمل أخوه، بل كان رأيه القتال؛ لأنه يرى أنه الأحق بالخلافة، ولكنه أطاع أخاه الذي كان يرى ـ كذلك ـ أحقّيته بالخلافة ولكنه آثر حقن دماء المسلمين، وبايع الحسين معاوية، ورجع معه إلى المدينة وأقام معه إلى أن مات معاوية سنة60هـ.

ولما تولى يزيد بن معاوية الخلافة، بعث إلى واليه على المدينة الوليد بن عتبة ليأخذ البيعة من أهلها، فامتنع الحسين عن البيعة، وخرج إلى مكة وأقام فيها، ثم أتته كتب أهل الكوفة في العراق تبايعه على الخلافة وتدعوه إلى الخروج إليهم، فأرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب ليأخذ بيعتهم فطالت غيبة مسلم وانقطعت أخباره، فتجهز الحسين مع جملة من أنصاره للتوجه إلى العراق، ونصحه بعض أقاربه وأصحابه بالبقاء في مكة وعدم الاستجابة لأهل العراق، ومنهم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن جعفر، وجابر بن عبد الله، كما كتبت إليه إحدى النساء وتسمى (عمرة) تقول: حدثتني عائشة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"يقتل الحسين بأرض بابل"فلما قرأ كتابها قال:"فلا بد إذًا من مصرعي"، وخرج بمن معه متوجّهًا إلى العراق وفي الطريق قريبًا من القادسية لقيه الحر بن يزيد التميمي فقال له: ارجع فإني لم أدع لك خلفي خيرًا.

وأخبره أن عبيد الله بن زياد والي البصرة والكوفة قتل مسلم بن عقيل، فهم الحسين أن يرجع ومعه إخوة مسلم فقالوا:"والله لا نرجع حتى نصيب بثأرنا أو نُقْتَل"فتابع سيره حتى وصل إلى منطقة الطفّ قرب كربلاء، وكان عدد ما معه من الرجال (45) فارسًا ونحو (100) راجل إضافة إلى أهل بيته من النساء والأطفال، حيث إن أهل الكوفة خذلوه ولم يوفوا بوعودهم لنصرته، فالتقى بمن معه بجيش عبيد الله بن زياد بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص، وكان معه أربعة آلاف فارس، وجرت بينهما مفاوضات لم تسفر عن اتفاق، فهاجم جيش ابن زياد الحسين ورجاله، فقاتل الحسين ومن معه قتال الأبطال واستشهد الحسين ومعظم رجاله، ووُجد في جسده ثلاثة وثلاثون جرحًا، وكان ذلك في يوم عاشوراء من عام (61هـ) رحمه الله ورضي عنه ، ورثاه الشعراء على مر القرون ، ومن ذلك ما قاله الشاعر عبدالله بن عوف بن الأحمر:

صحوت وودعت الصبا والغوانيا ... ...

وقلت لأصحابي: أجيبوا المناديا

و قولوا له إذ قام يدعو إلى ... ...

قبيل الدعا: لبيك لبيك داعيا

ألا و انع خير الناس جدا و ... ...

حسينًا لأهل الدين إن كنت ناعيا

ليبك حسينًا مرمل ذو خصاصة ... ...

عديم و أيتام تشكى المواليا

فأضحى حسين للرماح دريئة ... ...

وغودر مسلوبًا لدى الطفّ ثاويا

ليبك حسينًا كلما ذرّ شارق ... ...

وعند غسوق الليل من كان باكيا

لحا الله قومًا أشخصوهم و ... ...

فلم ير يوم البأس منهم محاميا

و لا موفيًا بالعهد إذ حَمِيَ ... ...

ولا زاجرًا عنه المضلين ناهيا

فيا ليتني إذ ذاك كنت شهدته ... ...

فضاربت عنه الشانئين الأعاديا

و دافعت عنه ما استطعت ... ...

و أعملت سيفي فيهم و سنانيا

فيا أمة تاهت و ضلت سفاهة ... ...

أنيبوا فأرضوا الواحد المتعاليا

ويروى أن قاتله هو سنان بن أبي سنان النخعي، وأن خولي بن يزيد الأصبحي هو الذي أجهز عليه واجتزّ رأسه، وقُتل مع الحسين سبعة عشر رجلًا من أهل بيته، منهم إخوته الأربعة، رحمهم الله جميعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت