وقد نبه الله سبحانه على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله تعالى:"وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا" [الأعراف: 204] . وكلامه صلى الله عليه وسلم من الوحي، وله من الحكمة مثل ما للقرآن، إلا معاني مستثناة، بيانها في كتب الفقه.
ليس الغرض برفع الصوت ولا الجهر ما يقصد به الاستخفاف والاستهانة، لأن ذلك كفر والمخاطبون مؤمنون. وإنما الغرض صوت هو في نفسه والمسموع من جَرْسِه غير مناسب لما يهاب به العظماء ويوقر الكبراء، فيتكلف الغض منه ورده إلى حد يميل به إلى ما يستبين فيه المأمور به من التعزير والتوقير.""
وقال تعالى في امتنانه عليه بإكرامه له: (( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) ) [الشرح (4) ]
ولهذا شرع ذكره صلى الله عليه وسلم مع ربه في الأذان وفي التشهد، وفي الدعاء للموتى.
الأمر الرابع: نفى الرسول صلى الله عليه وسلم نفيا مؤكدا بالقسم بربه، الإيمان الشرعي الصادق عمن لم أحب عنده من أقرب المقربين إليه من أهله، كالوالد والولد، فضلا عن غير أقاربه من الناس.
روى أبو هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فوالذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده) وفي رواية أنس: (والناس أجمعين) . والحديث في صحيح مسلم.
بل ثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك)
فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الآن يا عمر)
ففي هذا الحديث: وجوب أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إلى المؤمن من نفسه.
وهنا يجب على المسلمين أفرادا وجماعات وأحزابا، ودولا، أن يسألوا أنفسهم: هل معاملة من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستهان به وسخرمنه، في العلاقات السياسية والاجتماعية والدبلوماسية والاقتصادية والإعلامية، ومع إصراره على موقفه ممن هو أحب إلى أنفسنا، هل هم مؤمنون إيمانا صادقا.
ونسأل من لا يقاطع اقتصاد الدول التي حصلت إهانة رسولنا صلى الله عليه وسلم والاستهزاء به، أي الأمرين أحب إليك يا مسلم رسولك أم جوال؟ بل أيهما أحب إليك نبيك أم قطعة قماش تستريها؟
إن المسلم لا يليق به أن يتعامل مع من استهان برسوله صلى الله عليه وسلم في بيع أو شراء، وبخاصة إذا كانت السلع التي يحتاجها موجودة في السوق من دول أخرى، إن المسلم ولو كان غير ملتزم بدبنه كما ينبغي ولو كان يتعاطى شرب الخمر المحرم عليه، والذي يجب عليه الإقلاع عنه فورا، فإذا أصر على ارتكاب هذا المحرم، فلا يليق به أن يشتريه ممن أهان رسوله صلى الله عليه وسلم، أسواق غير تلك الدول مندوحة.
وإن من الأسئلة التي يجب أن نوجهها لمن يؤمنون بالرسول صلى الله عليه وسلم، سواء كان فردا أو جماعة أو دولة:
ما ذا ستفعل لو وجهت الإهانات إلى والدك أو ولدك أو علم بلادك أو دولتك ونظامها؟
وهل ولدك ووالدك وعلم بلادك ونظامها ونفسك أحب إليك من نبيك، فتنتصر لها ولا تنتصر لرسول الله حبيبه؟
نحن لا نطلب من كل تلك الفئات أن تقاتل الدول التي حصل فيها الاستهزاء برسولنا، ولا بخطف رعاياهم وقتلهم في بلداننا، وإنما نطلب فقط أن نغيظهم بما يؤثر فيهم وهو العلاقات بأنواعها، لا بالكلام فقط؟
إن كلامنا عندهم لا يساوي صفرا على اليسار، ما داموا يحصلون على مصالحهم المادية منا.
يا مسلمون! كل عدوان على ديننا واستهزاء بربنا أو قرآننا أو رسولنا صلى الله عليه وسلم، يمر بدون وقفة صادقة في الدفاع عن ذلك سيجرئ أعداءنا علينا، فاختاروا لأنفسكم إرضاء أعداء نبيكم، أو إرضاء ربكم، وأنتم إليه راجعون، فينبئكم بما عملتم.