فهرس الكتاب

الصفحة 23600 من 27345

ومن الأحاديث التي تحض على التفاهم والتآلف ما رواه المغيرة بن شعبة أنه خطب امرأة فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"انْظُرْ إليهَا فإنَّه أَحْرى أنْ يُؤْدَِ بَيْنَكما"ومعنى قوله أحرى أن يؤدم بينكما أي أحرى أن تدوم المودة بينكما.

ولكل شخصٍ طباعه الخاصة التي أمتعه الله بها فهو يعيش في هذه الطباع ويركن إليها, وتظهر هذه الطباع أكثر ما تظهر في حالات السرور الشديد والحزن الشديد.

ولما كان الله سبحانه وتعالى قد جعل عقد الزواج على نية الديمومة بين الزوجين كان لا بد لكلا الزوجين أن يسيرا باتجاه بعضهما اتجاها إيجابيا يحققان من خلاله التآلف المنشود والتفاهم المقصود ويحطمان كل ما يقف في طريق سعادتهما.

وكان من أحد سبل هذا السير الإيجابي هو معرفة طباع الرجل لزوجته ومعرفة طباع المرأة لزوجها وهو الذي أسميناه ( الشيفرة الأسرية ) .

فإذا كانت المرأة قد عقدتْ العزمَ على أن تسير باتجاه زوجها هذا السير الإيجابي وقررت أن تحطِّم كل ما يقف في طريق سعادتها كان لا بد لها أن تعرف زوجها حق المعرفة , وأن تسعى لتتعرف عليه وعلى طباعه بشكل أكبر وبطرق مختلفة حتى تصل إلى حل الشيفرة الخاصة به ومن ثم تصل بزوجها وبيتها إلى برِ الأمان وشاطئ المودة والتراحم التي ذكره الله، وما يقال للزوجة يقال للزوج.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف زوجاته حق المعرفة حيث روى الإمام مسلم والإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنِّي لَأَعْلَمُ إذَا كنْتِ عنِّي رَاضِيةً وإذا كُنتِ عليَّ غَضْبَى"قالت: فقلت من أين تعرف ذلك فقال:"أمَّا إذا كُنتِ عنِّي رَاضيةً فإنَّك تَقُولِينَ لاْ وَرَبِّ محمَّد وإذا كنْتِ عليَّ غَضْبَى قُلْت لاْ وَرَبِّ إبْرَاهيم"قالت: قلت أجل والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك.

وقد قال في فتح الباري كلاما لطيفا هذا نصه:"قوله ( إني لأعلم إذا كنت عني راضية... إلخ ) يؤخذ منه استقراءُ الرجل حال المرأة من فعلها وقولها فيما يتعلق بالميل إليه وعدمه , والحكم بما تقتضيه القرائن في ذلك , لأنه صلى الله عليه وسلم جزم برضا عائشة وغضبها بمجرد ذكرها لاسمه وسكوتها , فبنى على تغيُّر الحالتين من الذكر والسكوت تغيُّر الحالتين من الرضا والغضب".

فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا في هذا الحديث المبارك الاهتمام بطبيعة المرأة ومعرفة أحوالها والتصرف معها في كل حالة بما تقتضيها وهذا أدعى إلى عدم الخلط ومعرفة الأحوال ومن ثم يصل باستقراء أحوال زوجته إلى الحكم الصحيح عليها فيعاملها بما تقتضيه القرائن.

وهذه الشيفرة الزوجية مهمة جدا في حسن سير الحياة بين الزوجين , فإذا وصل الإنسان إلى حل هذه الشيفرة الخاصة بزوجته استطاع أن يقود سفينة بيته إلى شاطئ المودة والرحمة.

ومن لا يعرف ذلك سيصل بسفينته هذه إلى صخور التنافر لتحطمها وتكسرها وهو ما عبرَ عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكسر عندما قال:"وَكَسْرُها طَلَاقُها" ( ) .

وكذلك المرأة لا بد أن تتعرف على طباع زوجها و شيفرته الخاصة لتهيئ الجو المناسب والرياح الهادئة لسير هذه السفينة.

خطوات أولية عملية ضرورية على طريق حل الشيفرة الأسرية:

1 -النية الصادقة في معرفة الحقوق والواجبات:

عن عائشة رضي الله عنها قالت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"الأرواحُ جنُودٌ مُجَندةٌ فَما تعَارفَ منها ائْتلَف وما تَنَاكرَ منْها اخْتَلَف" ( ) .

قال في الفتح في شرح هذا الحديث:"يقول ابن الجوزي يستفاد من هذا الحديث أن الإنسان إذا وجد من نفسه نفرة ممن له الفضيلة والصلاح فينبغي أن يبحث عن المُقتضى لذلك ليسعى في إزالته حتى يتخلص من الوصف المذموم".

ويبنى على كلام ابن الجوزي رحمه الله أن الزوج إذا كان يعرف أن زوجه من المشهود لها بالصلاح وهو لا يستطيع أن يتفاهم معها لا بد أن يعيد حساباته مع نفسه فلعله يحمل صفة مذمومة هي التي تحول بينه وبين التفاهم مع زوجه , وكذلك يقال للزوجة , فلا بد إذن من وجود نية صادقة لحل هذه الشيفرة فيسعى الإنسان إلى فك رموزها ولو كان بالتخلص من بعض الصفات التي يتصف بها.

2 -معرفة نمط تفكير الزوج ونمط تفكير الزوجة:

خلق الله البشر متفاوتين بطباعهم وتصرفاتهم وطرائق تفكيرهم, وهذا الاختلاف قائمٌ إلى يوم الدين بين جميع البشر, والمسلم مطالب أَلاَّ يصل هذا الاختلاف إلى النفور والهجر والبغضاء, بل مطلوب منه أن يقارب الأفكار المختلفة ويتعامل معها بحكمة وروية , فإذا كانت هذه هي الصفة العامة والراسخة في الإسلام بين جميع المسلمين فهي بين الزوجين يجب أن تكون أكثر ترسيخًا وأكثر وضوحًا إذ ينبغي أَلاَّ يكون هذا الاختلاف سببًا في التنافر بين الزوجين بل يجب أن يحصل نوع من التقارب وذلك من خلال معرفة طريق تفكير الزوجين أحدهما للآخر يقول د. التكريتي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت