فهرس الكتاب

الصفحة 23647 من 27345

وكان يشاركهم في الفزع للصوت: فعن أنس - رضي الله عنه - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ليلة فخرجوا نحو الصوت فاستقبلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد استبرأ الخبر وهو على فرس لأبي طلحة عري وفي عنقه السيف وهو يقول: (لم تراعوا لم تراعوا) ثم قال: (وجدناه بحرًا، أو قال: إنه لبحر) (5) .

وأما مشاركته لهم في الجهاد: فقد خرج في غزوة (6) ، بل قال عن نفسه: (ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية) (7) .

وهي مشاركة لا تلغي دورهم وتحولهم إلى مجرد آلات صماء، بل هي تدفع للتوازن بين هذا وبين تعويدهم على العمل والمشاركة.

إن مجرد إصدار الأوامر والتوجيه أمر يجيده الجميع، لكن الدخول مع الناس في الميدان ومشاركتهم يرفع قيمة المربي لديهم ويعلي شأنه ويشعرون أنه واحد منهم، وذلك أيضًا يدفعهم لمزيد من البذل والهمة والحماس عكس أولئك الذين يدعون للعمل ويربيهم بعيدٌ عنهم، وقد عبر عن هذا المعنى ذاك الحداء الذي كان يردده أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم:

لئن قعدنا والنبي يعمل *** لذاك منا العمل المضلل

ثم إنه يشيع روح الود والإخاء، ويسهم في بناء علاقة إنسانية وطيدة بين المربي ومن يربيهم.

4-التربية بالأحداث:

من السهل أن نحدث الناس كثيرًا عن معاني عدة، وأن ننظر لجوانب متعددة، لكن ذلك وإن أتّر فإن أثره يبقى باهتًا محدودًا.

أما النبي - صلى الله عليه وسلم - فمع توجيهه لأصحابه في كل موطن، إلا أن تربيته كانت تتم من خلال الأحداث، فكان يضع الناس في الموقع والميدان ويأتي التوجيه حينها.

يشكو إليه الحالَ أبو بكر - رضي الله عنه - وهما في الغار، فيقول: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما) .

ويسأله رجل في الميدان والمعركة: أرأيت إن قتلت؟ فيجيبه إجابة تصل إلى شغاف قلبه فيتقدم حتى يستشهد؛ فعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: (في الجنة ) ) فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل) (8) .

ويوصي عليًا - رضي الله عنه - بالدعوة ويذكِّره بفضلها وذلك؟ حين بعثه داعيًا إلى الله مجاهدًا في سبيله. عن سهيل بن سعد - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر: (لأعطين الراية غدًا رجلًا يفتح على يديه يحب الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ويحبه الله ورسوله) فبات الناس ليلتهم أيهم يعطى، فغدوا كلهم يرجوه، فقال: (أين علي؟) فقيل يشتكي عينيه، فبصق في عينيه ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه فقال أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال: (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم؛ فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم) (9) .

أترى أن تلك التوجيهات لو تلقاها أصحابها وهم جالسون قاعدون في بيوتهم ستترك أثرها؟ إن مثل هذه التربية هي التي خرّجت الجيل الجاد العملي، الذي لم يتربّ على مجرد التوجيه الجاف البارد، إنما كان يعيش العلم والعمل معًا.

5-الاختيار والاصطفاء:

إن التربية كما أنها موجهة لكل أفراد الأمة أجمع مهما كان شأنهم، والدين خطاب للجميع صغارًا وكبارًا، رجالًا ونساءً.

إلا أن الدعوة تحتاج لمن يحملها ولمن يقوم بأعبائها، إنها تحتاج لفئة خاصة تُختار بعناية وتُربى بعناية.

لذا كان هذا الأمر بارزًا في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتربيته لأصحابه؛ فثمة مواقف عدة في السيرة يتكرر فيها ذكر كبار أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى رأسهم أبو بكر وعمر؛ مما يوحي أن هؤلاء كانوا يتلقون إعدادًا وتربية أخص من غيرهم.

عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: إني لواقف في قوم فدعوا الله لعمر بن الخطاب وقد وضع على سريره؛ إذا رجل من خلفي قد وضع مرفقه على منكبي يقول: رحمك الله إن كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك لأني كثيرًا ما كنت أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر) فإن كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما؛ فالتفتّ فإذا هو علي بن أبي طالب (10) .

ومنها قصة أبي هريرة حين كان بواب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فاستأذن أبو بكر، فقال: (ائذن له وبشره بالجنة) ، ثم استأذن عمر، ثم عثمان... (11) .

وما رواه أنس بن مالك - رضي الله عنه - حدثهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صعد أُحُدًا وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فقال: (اثبت أُحُد؛ فإنما عليك نبي - صلى الله عليه وسلم -، وصدِّيق، وشهيدان) (12) .

ومثله ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (اهدأ؛ فما عليك إلا نبي، أو صدِّيق، أو شهيد) (13) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت