لا يا أخي إنما يباهي بالعاملين المجدين فاجهد كي تكون منهم وتبلغ هذه المنزلة وتحظى بهذا الشرف العظيم.
وهل من شرف فوق أن يباهي الله بنا ملائكته؟ فأين من يفهم؟ جعلنا الله جميعًا منهم. آمين.
6-عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احضُروا المنبرَ، فحَضَرْنا، فلما ارتقى درجة قال: آمين. فلما ارتقى الدرجة الثانية قال: آمين. فلما ارتقى الدرجة الثالثة، قال: آمين. فلما نزل قلنا: يا رسول الله، لقد سمعنا منك اليوم شيئًا ما كنا نسمعه. قال: إن جبريل عليه السلام عرض لي فقال: بَعُدَ مَنْ أدرك رمضان فلم يُغفر له، قلت: آمين، فلما رقيت الثانية، قال: بَعُدَ من ذُكرتَ عنده فلم يصلِّ عليك. فقلت: آمين، فلما رقيت الثالثة، قال: بَعُدَ من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة. قلت: آمين) رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد.
إن جبريل عليه السلام يدعو بالإبعاد والطرد على من أدرك هذا الشهر بما فيه من غلق أبواب النيران وفتح أبواب الجنان وتصفيد الشياطين، وبما فيه من رحمة ومغفرة وعتق من النار، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمن على دعاء جبريل فهل ندرك عمق هذا المعنى، لكأنه مما لا يمكن أن يتخيله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدرك المسلم شهر رمضان ثم لا يغنم المغفرة ولا يفوز بها.
7-أ- قال صلى الله عليه وسلم: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري ومسلم وأبو داوود والنسائي بألفاظ متقاربة وابن ماجة.
ب- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي.
هكذا شهر رمضان؛ صيام وقيام وليس صيامًا فحسب، وإن اختلفت درجة الطلب وهما مدرسة تامة ومعسكر تدريبي كامل فمن صام رمضان إيمانًا: بأن يصومه على التصديق الكامل بأنه فرض، وأن فيه الخير والنفع الشاملين. واحتسابًا أي رغبة في الثواب، طيبة نفسه، غير كاره له ولا مستطيل أيامه، ولا مستثقل أوقاته، غُفر له ما تقدم من ذنبه، وكذلك من قام رمضان غُفر له ما تقدم من ذنبه، فإذا اجتمع الصيام والقيام كان حصول المغفرة آكد بإذن الله.
ولو أن العاقل كان يملك مال الأرض، ثم علم أنه إذا بذله غفر له لبذله طلبًا لمغفرة ما تقدم من ذنبه. لكن الرب الرحيم الكريم سبحانه فتح لنا بابًا سهل الولوج، قليل الكلفة، ويسر لنا سبيلًا ممهدًا لتحصيل المغفرة، فهل لأحد أن يتقاعس أو يتردد. وهل تضييع هذه الفرصة إلا شعبة من الحماقة والجنون.
8- (أُرِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم. فأعطاه الله ليلة القدر خيرًا من ألف شهر) الإمام مالك في الموطأ.
أخي الحبيب:
كم تتعب إذا بقيت ألف شهر تقوم الليل؟ إنه تعب قد لا يطيقه إلا أقل القليل من الناس، لكن رحمة الله تعالى بهذه الأمة وإكرامه لها كرامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم شيء عجيب، فقد أعطانا ربنا سبحانه وتعالى ليلة القدر إنها ليلة واحدة من قامها كانت له خيرًا من قيام الليل ألف شهر كاملة، فأين تجار الآخرة الذين يعرفون علم الحساب؟!
9 -وفي حديث نبوي شريف يقول صلى الله عليه وسلم مبينًا ثواب إطعام الصائمين في رمضان: (من فطّر صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء. قالوا: يا رسول الله ليس كلنا من يجد ما يفطر الصائم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعطي الله هذا الثواب من فطر صائمًا على تمرة أو على شربة ماء، أو مذقة لبن، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، من خفف عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النار) .
أيها الأخ الحبيب:
إطعام الطعام مستحب ومرغّب فيه دائمًا وفي الأيام كلها ويعظم الترغيب بذلك في شهر الصيام، والأمر متاح لأكثر الناس، فإذا فطّرت صائمًا بما يتيسر لك وحسبما تستطيع، كان لك مثل أجر الصائم من غير أن ينقص أجر ذلك الصائم.
ثم إن في هذا الحديث لفتة رائعة أخرى: إنها الدعوة إلى التخفيف عمن لك عليه سلطان أو ولاية أو رعاية (من خفف عن مملوكه فيه غفر الله له..) هذا في حق من خفف عن مملوكه فكيف بالزوجة والأولاد؟! إن بعض الرجال على درجة من القسوة والغلظة قبيحة وشنيعة لا يكون بشرهم وانبساط أساريرهم إلا للغرباء ولا يرى الأهل منهم إلا الوجه الكالح الكئيب.
فليتقوا الله تعالى فيمن تحت أيديهم.
ولا ينسَ أربابُ العملِ العمالَ أن يرحموهم في هذا الشهر، فالراحمون يرحمهم الرحمن (من لا يَرحم لا يُرحم) .
10 -قال تعالى: { اليوم نختم على أفواههم، وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون } سورة يس.
عن حكيم بن معاوية بن حيوة القشيري عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: