ومن أهم هذه الشوائب والمعوّقات ما نمارسه في مجتمعاتنا من سلوك انحطاطي, يعوق فاعليتنا, ويعوق تحررنا ورقيّنا. هذا السلوك الإنحطاطي الذي نلمسه في أبسط أمورنا الحياتية اليومية, فمن الاستهتار وعدم الإهتمام, إلى الهدر في الوقت والجهد, إلى عدم إتقان العمل, وعدم تحمّل المسؤولية, إلى عدم القدرة على تقبل الآخر, وغيرها من السلوكيات التي جعلت منا أسرى منظومة من الممارسات التي انعكست آثارها السيئة على كل مرافق حياتنا, فأوجدت الاستبداد والتسلط والفقر والجهل والمرض وغيرها من المظاهر التي نعتقد خطأ أنها هي المعوّقات الأساسية التي تمنعنا عن القيام بوظيفتنا الإنسانية الحضارية.
وللتوضيح سأضرب لكم مثلًا عن عدم اتقان العمل وكيف هو معوّق حقيقي من معوّقات تحررنا وتحضّرنا, والسبب أن عدم اتقان العمل جعلنا لا نهتم بتحسين عملنا وتطويره, لقد صرنا أمة يصدق عليها وصف"أمة ماشي الحال", بمعنى أننا نقبل بالعمل بأقل مواصفات الجودة, ونتغاضى عن سوء التنفيذ, ونقول"ما شي الحال"فنهدر مالنا, ووقتنا وجهدنا, ولا نحصل على عمل متكامل مفيد, والأهم من ذلك أننا لا نسعى نحو التطوير والتحسين وتلافي الأخطاء, فحين أطلب من نجار أن يصنع لي طاولة, ويقوم هو بصنعها بطريقة غير متقنة وأقبلها منه, فإنني بذلك قبلت بهدر مالي, ووقتي, وجهد العامل ووقته, ولم أساعد هذا العامل على تطوير عمله وكسب مهارات جديدة تمكنه من تلافي الأخطاء الذي وقع فيها أولًا, وجعلت عمله غير متقن. بينما لو أنني رفضت استلام عمل غير متقن, واهتم العامل بأن لا يُخرج من ورشته إلا قطعة متقنة, لسعى إلى تحسين مهاراته, فوفر علي مالي ووقتي, ومكنني من استخدام ما أريد على أحسن صورة وبأقصى فائدة. وكلنا يلمس مدى الآثار الكارثية لعدم اتقاننا لعملنا في كافة المجالات الاقتصادية والتعليمية والطبية والحياتية مما جعلنا نهدر كثيرًا من إمكاناتنا المادية والمعنوية, التي نحن في أشد الحاجة إليها.
وما يقال عن عدم اتقان العمل يقال عن المظاهر السلوكية الانحطاطية الأخرى, والتي أنتجت آثارًا سلبية خطيرة, ظننا خطأ أنها السبب فيما نعاني منه من انحطاط وموات حضاري. وعلى هذا فإنه من الضروري أن نميّز بين هذه الأمور, حتى نستطيع معرفة المعوّقات الحقيقة التي سلبتنا حريتنا, وجعلتنا أمة مستعبدة, تعاني من مشاكل متعددة وخطيرة, تختصر في تعبير"الانحطاط وعدم الفاعلية".
فنحن عندما خلطنا بين الأعراض والأمراض, وصلنا إلى حالة من الضياع, جعلتنا نحارب هويتنا المميزة الخالصة, والتي من المفترض أن يكون هدف سعينا نحو التحرر هو الوصول إلى أحسن ما فيها, حتى نقوم بوظيفتنا على أكمل وجه, وأحسن صورة.