فهرس الكتاب

الصفحة 23700 من 27345

وهناك قصة طريفة تروى لنا حول بداية الاحتفال بالعيد في الإسلام؛ ذلك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما هاجر إلى المدينة المنورة وجد الأنصار (سكان المدينة) يحتفلون بيومين فلما سألهم عنهما قالوا: إن آباءهم كانوا يحتفلون بهما في الجاهلية. فقال:"إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الفطر ويوم الأضحى". وتأكيدا للمعنى الديني الذي يرتبط بالأعياد في الإسلام فأنت ترى أن هناك صلاة شُرعت خصيصا تؤدى في هذين اليومين تسمى صلاة العيد، ويصلون شكرا واعترافا بالنعم، وسؤال المزيد منها حلالا طيبا.

ومن المعاني الإنسانية ذات الأبعاد السامية في السلوك الإنساني أن الله شرع زكاة الفطر بين يدي العيد، وهي حق للفقراء في أموال الأغنياء، تؤدى إليهم قبل يوم العيد أو صبيحة ذلك اليوم قبل صلاة العيد؛ لتكون عونا للفقير كي يشارك بقية أفراد المجتمع في الإحساس بمعنى العيد، فلا يشعر بحرمان الحاجة، وقلة ذات اليد في ذلك اليوم الذي تغمر البهجة والسرور فيه قلوب الأغنياء، ولذلك يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:"اغنوهم عن السؤال في ذلك اليوم".

ولا شك أن هذه إحدى اللمسات الإنسانية في التشريع الإسلامي -وما أكثرها- ليحقق للمجتمع استقراره وأمنه وأمانه، ويربطه برباط المودة والتعاطف بين الأغنياء والفقراء حتى يتحقق لهم الإحساس بالانتماء لأسرة واحدة، والشعور المشترك بين الجميع في السراء والضراء تحقيقا لقول النبي الكريم -صلوات الله وسلامه عليه-:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

ولهذه القيم وسواها كان عيد الفطر موسما من مواسم الخير العميم الذي تزف فيه الملائكة البشرى إلى المؤمنين، كما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-:"إذا كان يوم عيد الفطر وقفت الملائكة على أبواب الطرق فتنادي: اغدوا يا معشر المسلمين إلى رب كريم يمن بالخير ثم يثيب عليه الجزيل، لقد أُمرتم بقيام الليل فقمتم، وأُمرتم بصيام النهار فصمتم، وأطعتم ربكم فاقبضوا جوائزكم، فإذا صلوا نادى منادٍ: ألا إن ربكم قد غفر لكم فارجعوا راشدين إلى رحالكم؛ فهو يوم الجائزة، ويُسمى ذلك اليوم في السماء يوم الجائزة".

ويرتبط يوم الأضحى بدلالات ذات أثر بعيد في حياة المسلمين؛ لأنها ترتبط بأحداث التضحية العظمى التي استعد للقيام بها أبو الأنبياء إبراهيم -عليه السلام- حينما أقدم على التضحية بابنه إسماعيل عليهما السلام إثر رؤيا رآها، ورؤيا الأنبياء حق؛ لأنها وحي من الله، ولم يحُل بينه وبين إتمام التضحية إلا الفداء الذي بعث الله به ليفتدي ابنه إسماعيل بعد أن اجتاز الامتحان بنجاح، وأخذ يشرع في تنفيذ الذبح بأنه استجابة لأمر الله سبحانه. ومَن هذا الابن؟ وما ظروف إنجابه؟ لقد رُزق به أبوه على كبر في السن، ولذلك فحينما نحتفل بعيد الأضحى المبارك فإنما نحيي هذه التضحية التي لم يعرف التاريخ لها مثيلا، ولنتعلم أن المؤمن يضحي في سبيل عقيدته بأغلى ما لديه من أموال وبنين، وقد سجل المولى سبحانه هذا الأمر الجليل في كتابه العزيز إشادة بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، واستجابته لأمر الله، ورفعة لشأن ابنه إسماعيل الذي رضي بما أمر الله في شأنه، وقال:"يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ" (الصافات: آية 100) ، وتقول الآيات من سورة الصافات مفصلة هذا الحدث الجلل:".رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ*فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ*فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ*فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ*وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ*قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ*إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ*وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ" (الصافات: آية 100-107) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت