فهرس الكتاب

الصفحة 23767 من 27345

والسلام تحية من الله، وسنة من سننه صلى الله عليه وسلم، فعن ابن عمر:' إِذَا سَلَّمْت فَأَسْمِعْ- يعني: إرفع صوتك حتى تسمع غيرك- فَإِنَّهَا تَحِيَّة مِنْ عِنْدَ اللَّه'رواه البخاري في الأدب المفرد. ولم يكن السلام معروفًا في الجاهلية وإنما السلام جاء من شعائر الإسلام، وفيه الفضل والثواب العظيم، فأولى الناس عند الله مَنْ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ] رواه أبوداود والترمذي وأحمد. فإذا كنت تريد أن تكون الأولى عند الله، والمقدّم؛ فلتكن البادئ لأهل الإسلام بالسلام.

ومن أعظم ما ورد في فضائل التحية والسلام: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ] رواه مسلم. فإذًا السلام يؤدي إلى المحبة، والمحبة هي من دلائل الإيمان، والإيمان هو مفتاح الجنة.

فهذه فضائل عظيمة تدلنا على الآثار النفسية، وعلى الآثار في الأجر والمثوبة، ولا شك أنك إذا تبسمت ثم سلمت؛ فإن ذلك كما قلنا يزيد من عقد المحبة، ويسهم بقوة في إزالة الجفوة، أو الصد والإعراض، كما أنه أيضًا يُسلم إلى ما بعده فمن سلم صافح، ومن صافح عانق، ومن عانق تحدث ومن تحدث دعا فتفضل، ومن تفضل وأكرم وأضاف إلى غير ذلك مما تتسلسل به العلاقات التي تزيد المحبة والمودة، ومن ثم عرف الصحابة أثر هذه التحية فيما يتعلق بفتح القلوب وغسلها وتنظيفها:

فقال عمر رضي الله عنه: ' ثلاث يصفين لك ود أخيك: أن تسلم عليه إذا لقيته وتوسع له في المجلس وتدعوه بأحب الأسماء إليه'.

والسلام كما قلنا مثل الابتسامة لا يكلف لا مال، ولا تعب ولا جهد، سلم وأكثر من السلام حتى يشيع السلام .

المفتاح الثالث: الهدية والهبة: والهدية:'ما يعطى بقصد إظهار المودة، وحصول الألفة والثواب للأقرباء، أو الأصدقاء، أو العلماء، أو من يحسن الظن به' .

بمعنى أنها تقدم لا يراد بها بدل، وليست هي في مقابل ثمن، أو سلعة، أو نحو ذلك، بل هي ما يقدم بلا عوض بقصد إظهار المودة وحصول الألفة، ومن ثم كانت الهدية مفتاحًا للقلوب، وقد قال القائل في هذا:

هدايا الناس بعضهم لبعض تولد في قلوبهم الوصال

وتزرع في الضمير هوى وودًا وتلبسهم إذا حضروا جمالًا

وهذا أمر ظاهرٌ لا إشكال فيه؛ لأن له معناه وأثره المشهود في طبائع النفوس وسجيتها؛ فإن النفس والقلب لا شك يتأثران بالهدية؛ امتنانًا من صاحبها، وشكرًا له، ومودة ومحبة له، وإضافة لذلك ؛ فإننا نرى دلائل الشرع تؤيد هذا وتؤكده؛ لما في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: [تَهَادَوْا تَحَابُّوا] رواه البخاري في الأدب المفرد. وهذا من جوامع كلمه عليه الصلاة والسلام لخّص فيه الفعل وأثره: [تَهَادَوْا تَحَابُّوا] أي: اجعلوا بينكم التهادي وتبادل التهادي؛ يحصل بينكم أو يقع لكم أصول المحبة فيما بينكم بإذن الله عز وجل.

وليست الهدية ذات أثر في إيجاد المحبة فقط بل لها أثر بإذن الله في إزالة الجفوة، وفي مسح ما قد يكون من غضب أو ضغينة؛ فإن الإنسان ربما يخطئ على أخيه، فيقع من أثر الخطأ نوع جفوة، أو بعض غضب، أو قليل من شحناء، أو بغضاء، فإذا بادر إلى الهدية، فكأنها لسان حال الاعتذار، وكأنها جلاء ما في القلب من الأقذار والأكدار.

حالات الهدية مع المحبة:

1-استنباط المحبة قبل وجودها:وذلك في الغالب يكون في أوائل العلاقة؛ فإنك تتعرف على إنسان أو تحل ساكنًا جديدًا، فتبادر القوم، أو يبادرك جيرانك بالهدية؛ ليستنبطوا المحبة، ويغرسوا بذرتها، فتكون بداية لما يأتي بعدها من علاقات، ومعاملات، وإحسان وإكرام، ونحو ذلك .

2-لإظهار المودة: بمعنى أنه قد تكون بينك وبين أخ لك علاقة قوية، وصلة وطيدة، وزيارة متبادلة، والحب بينكم عامر، ولكنك تريد أن تعبر له عن أن محبتك له ومكانته في نفسك عظيمة، فكأن هذا دليل على ما يلمسه من معاملتك وعلاقتك به، وهي- وإن كانت المودة في القلب والمحبة- فإنها بتأكدها وإظهارها .

3-درء الضغينة، وإزالة الجفوة: وذلك إذا وقعت.

وحسبك بهذه الأغراض أثرا في القلوب والنفوس .

ولكي تؤتي الهدية ثمارها المرجوة نقف هذه الوقفة مع بعض التوجيهات والوصايا في الهدايا.

توجيهات ووصايا:

أولًا: الإهداء عند الابتداء: إذا تعرفت على أخ لك ؛ فإنك ما تزال تريد أن يكون بينك وبينه علاقة ولقاء وحديث ومناقشة ومزاورة وربما يطول الوقت حتى تحصل الألفة التامة، لكن كما يقولون:' الهدية مرسول الحب' . فابعث له بهديتك تكون لك رسولًا وما يأتي بعدها يزيدها إن شاء الله.

ثانيًا: الإهداء للأصدقاء والأحباء: فالإهداء للأصدقاء تجديد عهد، واستمرار وود .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت